بِسمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرحِيمِ
خَدْعَةٌ أمْ غَدْرٌ مُحَرَّمٌ؟.
رَقَمُ الفَتْوى: 56/ 14/5306
وسُئِلَ فِي مَواطِنَ عِدّةٍ عَمَّن يُعامِلُ خَصْمَهُ مُعامَلَةَ المُسْلمِينَ؛ مِن إفْشاءِ السلامِ وحُسْنِ المَودَّةِ والدُّعاءِ لَهُ وتَبادُلِ الزِيارَاتِ؛ ونَحْوِ ذلكَ؛ ثُمَّ يُظْهِرُ لَهُ الصلْحَ علَى تَركِ الخصُومَةِ والقِتالِ وأنَّهُ يُسَلِّمُ نَفْسَهُ لِخَصْمِهِ، فإذا تَمَكَّنَ مِنْهُ قَتَلَهُ، فَهَلْ ذلكَ مِنَ الخِدْعَةِ الجائِزَةِ أمْ الغَدْرِ المَنْهِيِّ عَنْهُ؟.
فَأجابَ:
الحمدُ للهِ؛ أما بَعْد:
فَيَنْبَغَي أَنْ يُعْلَمَ أَوَّلًا أنَّ الأصْلَ فِي الدّماءِ العِصْمَةُ إلاّ ما أباحَهُ الشرْعُ بِدَلِيلٍ صِحِيحٍ صَرِيحِ من كِتابِ اللهِ تعالَى وسُنَّةِ رَسولِهِ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيهِ، فالمَسْألَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي مُباحِ الدَّمِ مِن جِهَةِ الشرْعِ ابْتِداءً تَنَزُّلًا مَعَ السائلِ، ولَيْسَتْ كُلُّ خُصُومَةٍ وعَداوَةٍ تُسْتَباحُ بِها الدِّماءُ، ولا كُلُّ مَن اسْتَباحَ دَمَ إنْسانٍ فَقَدْ أصابَ؛ خاصَّةً مَعَ فَشُوِّ الجَهْلِ وانْتِشارِهِ؛ واعْتِمادِ كَثِيرٍ مِن الناسِ فِي الفَتْوى علَى مَنْ لَيْسَ لَها بأهْلٍ، ولا عاصِمَ مِن أمْرِ اللهِ إلاَّ مَن رَحِمٍ.
فإنْ كانَتِ المَسألَةُ مَفْرُوضَةً فِي مُسْتَباحِ الدّمِ شَرْعًا - كَما يُفْهَمُ مِن السؤالِ -؛ فَمَعْنَى أنْ يُعامِلَ خَصْمَهُ مُعامَلَةَ المُسْلمِينَ أنَّهُ يَعْتَقِدُهُ مُسْلمًا ابْتِداءً، والمُسْلمُ لا يَحِلُّ دَمُهُ إلاَّ بإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزانِي؛ وَالنفْسُ بالنفْسِ؛ وَالتارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ للجَمَاعَةِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ من حَدِييثِ ابنِ مَسعُودٍ رَضيَ اللهُ عنْه.
فأما الأولَى والثانِيَةُ فالأصْلُ فِي إقامَةِ الحُدُودِ أنّها للإمامِ؛ فِي تَفْصِيلٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَ العُلماء.
وأمّا المُفارِقُ للجَماعَةِ؛ فالمُرادُ بِها جَماعَةُ المُسْلمِينَ التِي تَجْتَمِعُ عَلَيها كَلِمَةُ المُسلمِينَ كما قَالَ أَحمَدُ وغَيرُهُ رَحِمَهُمُ اللهُ، وحَمْلُ الحَدِيثِ علَى الأَحْزابِ والجَماعاتِ المُعْرُوفَةِ اليَوْمَ جَهْلٌ عَظِيمٌ بالدينِ وافْتِراءٌ علَى الشرْعِ وقَولٌ علَى اللهِ تعالَى بَغَيرِ عِلْمٍ.
وإنْ كانَ المُرادُ بِتارِكِ الدّينِ المُفارِقِ للجَماعَةِ المُرْتَدَّ عَن دِينَ الإسلامِ فَيُقالُ فِيهِ ما قِيلَ فِي صَدْرِ الجَوابِ، خاصَّةً وأنَّ الحُكْمَ بالتكْفِيرِ خَطَرٌ عَظِيمٌ لا يزَالُ أئمَّةُ العِلمِ يَتَهَيبُونَ الولُوجَ إلَيْهِ، ولا تَغْتَرَّ بكَثْرَةِ الوارِدِ مِنْهُ فِي كُتَبِ الواقِعاتِ والفتاوِي؛ فَقَدْ أنْكَرَها المُحَقِّقُونَ من العُلماءِ؛ كما فِي البَحْرِ الرائقِ مِن كُتَبِ الحَنَفِيَّةِ حَيثُ قالَ: فَالأَوْلَى مَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي بَابِ الْبُغَاةِ أَنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ الْمَنْقُولَةَ فِي الْفَتَاوَى مِنْ التَّكْفِيرِ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ الْفُقَهَاءِ أَيْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ عَدَمُ تَكْفِيرِ مَنْ كَانَ مِنْ قِبْلَتِنَا حَتَّى لَمْ يَحْكُمُوا بِتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَسَبَّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهِ عَنْ تَاوِيلٍ وَشُبْهَةٍ وَلاَ عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ. انتَهى.
وعلَى كُلِّ حالٍ فَلَوْ فَرَضْنا المَسألَةَ فَيمَنْ ثَبَتَ كُفْرُهُ بِدَلِيلٍ من الشرْعِ ثُمَّ هُو يُعامِلُهُ كما ذُكِرَ في السؤالِ مُعامَلَةَ المُسْلمِ ويَتّفِقَ مَعَهُ عَلى تَركِ القِتالِ؛ ثُمَّ يَقْتُلَهُ مَتَى تَمَكَّنَ مِنْهُ! فَذلكَ غَدْرٌ مُحَرَّمٌ لا يَجُوزُ، ولَيْسَ مِن الخِدْعَةِ الجائِزَةِ فِي الحَرْبِ، لأنَّ مَعامَلَتَهُ مُعامَلَةَ المُسْلمِ تَقْتَضِي الأمانَ مِنْهُ لَهُ، كما قالَ المَناوِيُّ فِي فَيْضِ القَدِير: فَإذَا سَلَّمَ المُسْلِمُ علَى المُسْلِمِ فَقَدْ حَرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَهُ إِلاَّ بِخَيْرٍ، فإنّه أَمّنَهُ وجَعَلَهُ في ذِمَّتِهِ، وفي ذِكْرِهِ بالسوءِ غَدْرٌ، والغدْرُ عَارٌ وشَنَارٌ، فاحذرْ أيها المسلمُ