لا سيما مع اعتضادها - أي البراءة الأصلية - بما تقدّم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب. (1)
فيلاحظ أنه رحمه الله قد جعل أدلة الوجوب، وأدلة عدم الوجوب متعارضة، ولا سبيل إلى الترجيح بينها من جهة السند أو المتن لتساويها في القوة والدلالة، وبالتالي لا بد من النظر في الترجيح إلى مرجّح آخر، والصواب - والله أعلم - أن أحاديث وجوب العمرة أرجح من أحاديث عدم الوجوب؛ لأنّ فيها ما هو صحيح صريح، وأما أحاديث عدم الوجوب فكلّها ضعيفة لا يستقيم الاحتجاج بها، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله. (2) بل لقد بالغ الإمام ابن حزم رحمه الله وقال: كل أحاديث عدم الوجوب مكذوبة. (3)
كما يلاحظ أن الشوكاني رحمه الله قد رجّح عدم الوجوب لأنه مقرّر لحكم الأصل، وهو ما يُعرف بالبراءة الأصلية، فالأصل أن العمرة غير واجبة فلا يُنتَقل عنه إلا بدليل، وبذلك يُعرف أن رأي الشوكاني في الترجيح بالبراءة الأصلية هو أن ما كان موافقًا لها فإنه يُرجّح على ما كان ناقلًا عنها، وهذا في الحقيقة مخالف لما ذكره في كتابه (إرشاد الفحول) عندما ذَكر الخلاف بالترجيح بالبراءة الأصلية، فهل يرجّح ما كان موافقًا لها أو ناقلًا عنها؟، فذكر أن مذهب جمهور العلماء تقديم ما كان ناقلًا عن البراءة الأصلية، ثم قال: (( والحق ما ذهب إليه الجمهور ) ) (4) فيكون ما قرّره في هذا المسألة رجوعًا عن رأيه في موافقة الجمهور، والله أعلم.
ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: نيل الأوطار 4/ 280.
(2) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري 3/ 597.
(3) المحلّى 7/ 37.
(4) إرشاد الفحول 2/ 271.