الفصل الثاني: منهج الشوكاني في الترجيح بين الأدلة المتعارضة.
المبحث الأول: الترجيح باعتبار السند.
-مسألة فسخ الحج إلى العمرة.
جاءت في السنة أحاديث كثيرة تدل على جواز فسخ الحج إلى العمرة لكل أحد من الناس، وهو مذهب جمهور الفقهاء، (1) ولكن جاء ما يعارض ذلك من أن جواز فسخ الحج إلى العمرة خاص بمن كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع خاصة دون غيرهم.
أ) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قدِم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبحَ رابعةٍ من ذي الحجة مُهلين بالحج لا يخلِطُهم شيء فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة وأن نُحِل إلى نسائنا ففَشَتْ في ذلك القَالةُ. قال عطاء فقال جابر فيروح أحدنا إلى منى وذَكرُه يقطر منيًَّا؟ فقال جابر بكفّه، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام خطيبًا فقال: (( بلَغَني أن أقوامًا يقولون كذا وكذا، والله لأنا أبرُّ وأتقى لله منهم، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أَهْديت ولولا أن معي الهدي لأحللت ) )فقام سراقة بن مالك بن جُعشم فقال يا رسول الله هي لنا أو للأبد فقال - صلى الله عليه وسلم: (( لا بل للأبد ) ). (2)
ب) عن ربيعة بن عبد الرحمن عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: (( بل لنا خاصة ) ). (3)
ت) قال أبو ذر - رضي الله عنه - فيمن حج ثم فسخها بعمرة: (( لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا
ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: التمهيد لابن عبد البر 8/ 176، المغني لابن قدامة 5/ 251، المحلّى لابن حزم 7/ 99.
(2) رواه البخاري كتاب الشركة باب الاشتراك في الهدي والبُدُن (2505) و (2506) .
(3) رواه أبو داود كتاب المناسك باب الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة (1808) ، قال الإمام أحمد: روى هذا الحديث الحارث بن بلال، فمن الحارث بن بلال؟ يعني أنه مجهول. (المغني 5/ 254)