ثم ساق الشوكاني أقوال العلماء في هذا التعارض ثم قال رحمه الله: (( ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها، فيؤخذ بأقل ما يورد من ذلك، وأقله الرواية التي فيها ذكر البريد(1) ... وهذا هو الظاهر: أعني الأخذ بأقل ما ورد؛ لأن ما فوقه منهي عنه بالأولى، والتنصيص على ما فوقه كالتنصيص على الثلاث واليوم والليلة واليومين والليلتين لا ينافيه؛ لأن الأقل موجود في ضمن الأكثر )) (2)
ثم قال: وقالت الحنفية: إن المنع مقيد بالثلاث؛ لأنه متحقق وما عداه مشكوك فيه فيؤخذ بالمتيقن. (3)
فهذا يدلّ على أن منهج الشوكاني هو تقديم الجمع بين الروايات ما وجد إلى ذلك سبيلًا مخالفًا بذلك منهج الحنفية الذين يُقدّمون النسخ كما هو واضح في قولهم في تقديم رواية الثلاثة أيام على غيرها؛ لأنها متيقّنة.
ومما يُلحق بذلك أيضًا إجابته عن تعارض الأحاديث المتقدّمة في وجوب المَحرَم مع حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( يوشك أن تخرج الظَّعِينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها ) ) (4)
قال: (( وتُعقِّب بأنه يدل على وجود ذلك لا على جوازه، والأولى حمله على ذلك جمعًا بينه وبين أحاديث الباب ) ) (5)
ــــــــــــــــــــــ
(1) رواها أبو داود (1725) كتاب المناسك باب فرض الحج، والبريد مسافة قدرها أربعة فراسخ أي ما يعادل اثني عشر ميلًا (انظر: معجم لغة الفقهاء ص 107) .
(2) نيل الأوطار 4/ 291.
(3) انظر: بدائع الصنائع للكاساني 2/ 124، حاشية ابن عابدين 3/ 413 - 414، وذكر ابن عابدين قولًا عن أبي حنيفة وأبي يوسف بكراهة خروجها وحدها مسيرة يوم واحد.
(4) رواه البخاري (3595) كتاب المناقب باب علامات النبوّة في الإسلام.
(5) نيل الأوطار 4/ 291.