فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 579

وكرامتها، وهم يشيرون إلى قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282] ، وللرد على شبهتهم نشير إلى ما يأتي [1] :

-الشهادة خبر قاطع والشاهد حامل الشهادة ومؤديها لأنه مشاهد لما غاب عن غيره وهي ليست حقًا يتزاحم عليه الناس، وإنما هي عبء ثقيل يتهربون منه، لهذا فقد نهى الإسلام عن التهرب من أداء الشهادة، قال سبحانه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282] ، بل نهى القرآن عن كتم الشهادة: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] ، فليس في الشهادة ذاتها تكريم أو إهانة بل هي تكليف وعبء ثقيل.

-الشهادة في جميع أحوالها تتطلب من الشاهد بذل الجهد في مغالبة هواه وميله، وفي تغلبة على أحاسيسه ومشاعره، وفي ذلك يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135] ، ولذا فإن الإخلال بها أو الجور فيها يعد من الكبائر كما قال - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن الكبائر قال: (الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وشهادة الزور) [2] .

-الأمر الوارد في الآية ليس موجهًا للقاضي والحاكم، وإنما هو لصاحب المال، حيث أمره الله بكتابة الدين لحفظه، فإن عجز عن الكتابة أشهد الشهود لحفظ حقه، وقد عللت الآية سبب اشتراط امرأتين مع رجل، وهو مخافة النسيان فتضيع الحقوق. وقد قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله [691 - 751هـ] في كتابه الطرق الحكمية: (( إن البينة في الشرع اسم لما يبين الحق ويظهره، وهي تارة تكون أربعة شهود، وتارة ثلاثة، بالنص في بينة المفلس، وتارة شاهدين، وشاهد واحد، وامرأة واحدة، و ... فإن قيل فظاهر القران يدل على أن الشاهد والمرأتين بدل عن الشاهدين، قيل: القرآن لا يدل على ذلك، فإن هذا أمر لأصحاب الحقوق بما

(1) (( حقوق المرأة في الإسلام ) )محمد بن عبد الله عرفة، المكتب الإسلامي، بيروت، ط3 (1983م) [40 - 45] ، وينظر: (( المرأة في الإسلام ) )د. محمد معروف الدواليبي، دار النفائس، بيروت، ط1 (1989م) ص [70 - 72] ، وينظر: (( المرأة بين الفقه والقانون ) )للسباعي مرجع سابق، (30 - 34) .

(2) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، ح (2653) ، واللفظ له، ورواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الكبائر وأكبرها، ح (87) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت