وفي تلك الغزوة -أعني بني المصطلق وهي المريسيع- وقع ما وقع حينما تشاجر رجلان، رجل من غفار وهو حليف لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ورجل من جهينة وهو حليف لعبد الله بن أبي، تشاجرا على الماء فقام الغفاري فلطم الجهني، فقال الجهني: يا للأنصار -يعني حلفاءه- وقال الغفاري: يا للمهاجرين، فكاد يقع الشر بين أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فبلغ ذلك عبد الله بن أبي فقال كلامه المشهور المعروف:"أوقد فعلوها، والله ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك"، وقال:"لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".
ووقع ما وقع في تلك الغزوة، وبدأ المنافقون يتكلمون، وحصلت واقعة الإفك في طريق النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة لما عرس النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض الطريق، وفقدت عائشة -رضي الله تعالى عنها- عقدها -في القصة المشهورة- حيث رجعت ولم تجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، فبقيت في مكانها حتى غلبتها عينها فنامت، فجاء صفوان بن المعطل -رضي الله تعالى عنه- فحملها على بعيره، وجاء بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في منتصف النهار، فتكلم عبد الله بن أبي بكلامٍ قبيحٍ، واتهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في عرضه، وآذى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتلقف ذلك المنافقون، وتكلم فيه بعض ضعفاء الإيمان، وبقي النبي -صلى الله عليه وسلم- شهرًا كاملًا يقاسي الألم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يوحى إليه شيء في أمرها، وهي لا يتوقف لها دمع، تواصل البكاء في ليلها ونهارها.