بعد أربع سنوات من عودتي إلى العمل نقلت للإشراف على الإدارة العامة للثقافة وهي تضم إدارات البعثات الخارجية، والآثار، والعلاقات الثقافية وكالعادة لم يكن نقلي لأهليتي لعمل أكبر، وإنما لمصلحة موظف جديد منقول من الخارج إذ تهيئ له إدارتي السابقة الصلة بالخارج. وحين وجدت أن من غير الممكن المواءمة بين قدراتي المحدودة والقيام بالعمل الواسع الجديد بدرجة مرضية؛ قررت اللجوء إلى المهرب القديم: الدراسة لا لذاتها بل وسيلة للتخلص من غيرها.
دراسة الإدارة:
ذهبت لدراسة «الإدارة العامة» في جامعة «جنوبي كاليفورنيا» في لوس أنجلس عام 1968م لعلي أكون بعدها أكثر أهلية للعمل الإداري، ولكن المرحلة الأولى من هذه الدراسة وهي تقدم عينة من كل ما سأدرسه في الإدارة أيدت قناعتي القديمة إثر دورة تدريبية في جامعة «بتسبرك بنسلفينيا» قبل أربع سنوات عام 1964م: تعتمد الإدارة العامة على الحسّ السليم والخلق القويم أكثر من اعتمادها على الفكر، مثلها مثل معظم الوظائف المهنية البشرية، فغيرت وجهة دراستي في الجامعة نفسها إلى التربية: أسسها الفلسفية والاجتماعية والنفسية.
دراسة التربية:
كان ولداي يقتربان من سن التعليم العصري، وقد يكون المفيد لي ولهما أن أطلع على مختلف النظريات التربوية لعلي أقف على أرض ثابتة في أسلوب تربيتهما. ومن ناحية أعمّ: رغبت في التثبت من متانة الأسس التي بني عليها التعليم المعاصر، بل كان يهمني التثبت من وجود هذه الأسس على الإطلاق، فلو كانت موجودة وثابتة فلماذا كل هذه الحيرة والتذبذب والتخبط والركض وراء كل ناعق «تربوي» وحالة التقليد التي نعيشها لم تحوجنا إلى أكثر من النقل الحرفي الشكلي دون محاولة التعرف على الحقيقة وراء الظل (في لغة أفلاطون) .