وهذا الأمر يُخص به مَنْ يتولون أمور المسلمين بالتوجيه والإرشاد من العلماء الربانيين والدعاة المخلصين ونحوهم، فإن المرء أحيانًا يؤدي به الاندفاع والتحمس لتصحيح الخطأ إلى جرح مشاعر المخطئ، ويؤنبه بأسلوب فيه شدة وقسوة، مما يؤدي إلى الكراهية والتباغض، ولربما زادت هذه الشدة والقسوة المخطئ خطأ بأن تجعله يستمر في خطئه، ويتمادى فيه، ولو بُين له خطؤه بأسلوب مهذب رصين لتقبل النقد بصدر رحْب، وسماحة بال، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدوة حسنة، ومثلٌ أعلى، فإن ذلك الأعرابي لمَّا بال في مسجده - صلى الله عليه وسلم - وزجره الصحابة وعنفوا عليه نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فتركوه حتى قضى بوله ثم دعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة، وقراءة القرآن» ، وأمر رجلًا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنَّه عليه [1] ، أي صبه، فانظر - رعاك الله - إلى رفقه - صلى الله عليه وسلم - بأمته، وتأمل تعليمه للمخطئ من غير توبيخ ولا تعنيف!!.
ولقد كان لسلفنا الكرام رحمهم الله في نقد الرجال، وتصحيح أخطائهم مواقف مشرفة، تُبصِّر السالكين، وتنير الطريق للصالحين، فها هو الإمام هارون بن عبد الله الجمال يقول: «جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدقَّ علي الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد [2] ، فبادرت، وخرجت إليه، فمساني ومسيته، فقلت: حاجة أبي عبد الله، ما حاجتك؟ قال الإمام أحمد: شغلت اليوم قلبي!!
فقلت: بماذا يا أبا عبد الله؟
قال: جزتُ عليك اليوم وأنت قاعد تحدث الناس في الفي (الظل) والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى! إذا قعدت فاقعد مع الناس» [3] .
الله أكبر..
(1) رواه مسلم.
(2) انظر إلى التواضع!!
(3) «فن التعامل مع الناس» للأستاذ عبد الله الخاطر رحمه الله ص (30، 31) .