محاولة محمد علي إدخال ما يسمى بالنظام الجديد في الجيش الذي لا يعني سوى نقل النظام الأوربي الأفرنجي برمته إلى مصر، و من الغريب في الأمر أن محمد علي قد قام بتعويض المنهوبين مع شدة ظلمه و ذلك خشية اجتماع الأهالي مع العسكر ضده - كما يقول الجبرتي - في وقت هو في أشد الحاجة لكسب الناس لتنفيذ خطواته التغريبية. عجاب الآثار (3/ 487) .
و حين قام محمد علي بإجراء واسع النطاق لهدم الدور و المساكن التي بها شيء من الخلل، كانوا يأمرون صاحب البيت الذي تم الكشف عليه بهدمه ثم تعميره، وإن كان يعجز عن ذلك فإنه يؤمر بإخلائه، و يعاد بناؤه على طرف الميري وتصير من حقوق الدولة، فهدمت مئات الدور التي كان يملكها أو يسكنها المسلمون. عجائب الآثار (3/ 521) .
ويمتد حبل الموالاة والمودة للكافرين في عهد محمد علي إلى شيء آخر له خطورته البالغة، هو فتحه البلاد على مصراعيها لأفواج النصارى الصليبيين للبحث والتنقيب، واكتشاف الآثار، ودراسة الأماكن دراسة دقيقة بل ومساعدته لهم و تذليله الصعاب في طريقهم. عجائب الآثار (3/ 571، 617) .
وإذا تجاوزنا هدفهم الرئيسي لتلك العمليات والتنقيب، و هو وضع أيديهم على مراكز الثروة ودراستهم للمواقع دراسة تخطيطية، مما أفادهم ولاشك في احتلال مصر فيما بعد عام 1882م، خصوصًا إذا علمنا أن كثيرًا من هؤلاء المنقبين كانوا من الإنجليز. فإن هناك أهدافًا أخرى قد تفوق ما ذكرناه خطورة لم يفطن لها كثير من الباحثين، وندع الكلام لأحد المستشرقين ليكشف لنا هذه الأهداف البعيدة، يقول أحد المستشرقين في كتابه (الشرق الأدنى مجتمعه و ثقافته) : إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام، و لسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى عقائد ما قبل الإسلام، و لكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام و بين تلك الحضارات .. انظر كتاب: واقعنا المعاصر (ص 202) .
وعلى ضوء ما سبق من أهداف نستطيع أن نفسر اهتمامات هؤلاء النصارى بشق البلاد طولًا و عرضًا، وإنفاقهم الأموال الطائلة في كشف الآثار وتعريتها بدءًا بالفرنسيين ثم الإنجليز الذين ساروا على خط واحد في تنفيذ هذه الأهداف الخبيثة. والداهية أن يقوم كثير من الباحثين والأدباء بترجمة لرحلات الكثيرين من هؤلاء الأوربيين الصليبيين الذين لم يتركوا بلدًا إسلاميًا إلا وطئوه بغية ما ذكرناه من الأهداف السابقة، و ينعتوها بأنها رحلات موضوعية ونزيهة هدفها خدمة الإنسانية ونشر العلم والمعرفة فحسب!! دون النظر إلى دين أو جنس!! ولكن سرعان ما يدهشك ما تجده في طيات هذه الرحلات من حقد صليبي دفين على الإسلام وأهله، وعبارات مليئة بالسم الزعاف، و بعضهم كان يظهر صليبيته صراحة كما فعل الرحالة اليوت واربرتون في كتابه (الهلال والصليب