و من البديهي بعد أن قد أحاط محمد علي نفسه ببطانة من اليهود والنصارى، أن يعتمد عليهم كثيرًا وأن يسند إليهم عددًا كبيرًا من المناصب الهامة في الدولة، و مع ذلك فلولا خوفه و خشيته من إثارة المسلمين وتألبهم عليه لاعتمد عليهم بالكلية ولأسند إليهم جميع المسؤوليات والمناصب دون مواراة. و هذا ما عبر عنه محمد علي بنفسه حين هلك كاتب الخزينة في عهده وكان رجلًا نصرانيًا يدعى عبود النصراني، و كان محمد علي يحبه و يثق فيه ويقول عنه: لولا الملامة لقلدته الدفتردارية. تاريخ الجبرتي (3/ 602) .
والملامة التي كان يخشاها محمد علي هي جزء من بقايا هذه العقيدة الطيبة في نفوس المسلمين من بغض للكفار ومعاداتهم، تجعل الباشا المفتون بهؤلاء يتوقف بعض الشيء في ولائه السافر لهم، و في نقل مسيرته التغريبية بالأمة. أما في زماننا هذا فقد خفت صوت هذه العقيدة إلا عند قلة من الناس، فلم يعد الحكام يخشون من ملامة أحد فيما يقومون به في وضح النهار من ولاء للكفار و تبعية مخزية لهم، بل كثيرًا ما تصفق لهم الشعوب لأجل ذلك.
أما إدارة الجمارك في عهد محمد علي و هي من الوظائف المهمة، فقد كان يرأسها رجل نصراني له أعوان و جند كما يقول الجبرتي يحتجزون أمتعة الناس، و يقبضون على المسلمين، و يسجنونهم، و يضربونهم حتى يدفعوا ما عليهم، و من العجب على حد قوله أن بضائع المسلمين يؤخذ عشرها و بضائع الإفرنج و النصارى ومن ينتسب إليهم يؤخذ عليها من المائة اثنان ونصف. عجائب الآثار (3/ 371) .
و قد أصبحت مصر في عهد محمد علي و بالذات القاهرة محط نزول الكافرين من كل جنس، و ذلك باستدعائه لكثير منهم، و فتحه المجال أمام استثماراتهم، مما جعل البلد تضيق بالسكان وتغص بالقادمين من الكفار الذين ضايقوا المسلمين في معايشهم حتى الإنسان ليقاسي الشدة والهول إذا مر بالشارع من الازدحام الشديد، و بالإضافة إلى طوائف اليهود والنصارى فقد استدعى أعدادًا غفيرة من الدروز و النصيرية وغيرهم من الفرق الخارجة عن الإسلام. عجائب الآثار (3/ 568) .
و كثيرًا ما كانت تحدث الاضطرابات و تشيع الفتن والمصادمات و خصوصًا بسبب ثورات العسكر المتلاحقة لقطع المرتبات وغير ذلك، وكان الشعب هو الضحية لتلك الثورات المحمومة .. ففي إحدى تلك الثورات العسكرية التي نهبت فيها الأسواق وحطمت خلالها الحوانيت، أراد المسلمون في أثنائها أن يحصنوا بعض الحارات النافذة و يقوموا بإغلاقها حتى يقطعوا الطريق على جموع العساكر الهائجة، و لكن كتخدا الباشا - بمعنى نائب الوالي - منعهم من ذلك، في نفس الوقت الذي كان محمد علي يمد فيه النصارى بالبارود وآلات الحرب، بعد أن أتموا تحصين جهاتهم على أكمل وجه، و هذه الواقعة تغني عن أي تعليق، و تدل على مدى العلاقة المريبة في الخفاء بين محمد علي و نائبه من جانب و بين النصارى من جانب آخر. و مم ينبه عليه أن هذه الثورة العسكرية العارمة كانت بسبب