المسلم للمخططات الصليبية واليهودية .. ونحن بعد ذلك نومئ إيماءات سريعة لضيق المقام و تمشيًا مع المنهج الذي أسير عليه في طرح الموضوع ..
فمن ذلك بيعه للغلال والحبوب إلى الإنجليز و غيرهم من الإفرنج حتى شحّت الغلال وغلت الأسعار و خلت منها الأسواق، بل أمر بمداهمة البيوت والدور لكبس الأقوات المدخرة بدون ثمن، لسوقها إلى الكفار الإنجليز الذين كانت تجوب أساطيلهم البحار لضرب المسلمين والتربص ببلادهم، والاستعداد للاستيلاء عليها. عجائب الآثار (3/ 342، 363) .
وأحدث مكوسًا جديدة، و فرض ضرائب باهظة، حتى لقد ارتفعت الأسعار بشكل عظيم، وزاد ثمن كثير من البضائع إلى أكثر من عشرة أضعاف ثمنها، و حل الكرب والضيق بالمسلمين، و أوذوا في معاشاتهم وأرزاقهم إيذاء عظيمًا. عجائب الآثار (3/ 371) . يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، و من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به) . مسلم برقم (1828) .
و إن كان بكوات مصر الذين سبقوا محمد علي إلى سدة الحكم قد ركونا إلى بعض النصارى واتخذوا منهم بطانة من دون المؤمنين، فإن محمد علي كان قد اعتاد أن يكون أغلب المحيطين به من النصارى واليهود، الذين قد تغلغلوا في حكومته وبلاطه، خصوصًا نصارى الأرمن من أعداء الملة الذين هم خاصته و جلساؤه و أهل مشورته، و شركاؤه في اختلاس أموال الدولة ونهب خيراتها، والذين ليس لهم شغل إلا فيما يزيد مكانتهم و حظوتهم عند مخدومهم و موافقة أغراضه، و تحسين مخترعاته، و ربما ذكروه ونبهوه على أشياء تركها أو غفل عنها من المبتدعات، و ما يتحصل منها من المال والمكاسب. عجائب الآثار (3/ 548) و قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين لزكريا سليمان (ص 159) .
و قد أظهر الجبرتي رحمه الله ألمه وتأسفه لما وصل إليه حال الكفار والمكانة التي تبوءوها في عهد محمد علي، وأنهم صاروا أعيان الناس و يتقلدون المناصب الرفيعة ويلبسون ثياب الأكابر، و يركبون البغال والخيول المسومة والراهوانات وأمامهم و خلفهم العبيد والخدم، و بأيديهم العصي يطردون الناس و يفرجون لهم الطرق - و هذا بدلًا من تضييقها عليهم كما جاء في الحديث الصحيح: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه) الترمذي برقم (2700) - و يتسرون بالجواري بيضًا و حبوشًا، و يسكنون المساكن العالية الجليلة و يشترونها بأغلى الأثمان. عجائب الآثار (3/ 623) .