إن مصر الإسلامية كانت و لا تزال مطمع الكثير من ذوي المطامع والمصالح الشخصية .. ولن نطيل الحديث عن أولئك القوم، ويكفي للقارئ الحصيف أن ينظر نظرة فاحص إلى آثارهم فسيرى ما يدهشه .. إن الأدوار التي قام بها بكوات مصر على مر العصور وإخلادهم إلى النصارى و تعظيم شأنهم .. لا يكاد يذكر بالنسبة لما قام به محمد علي باشا .. ذلك الرجل المفتون بالغرب، والمتيم بمتابعة الأوربيين، والسير على خطاهم .. والذي ما فتئ خلال فترة حكمه الطويلة التي بلغت خمسة وأربعين عامًا تقريبًا يتولى الكفار و يصانعهم، و يعلي من شأنهم، ويقوم باتباعهم والاقتباس من نظمهم و قوانينهم، والسير في ركابهم، مع شدة بطشه وتنكيله بالمسلمين، واستهانته بهم؛ لذا لم يكن لنا بد من أن نقف بعض الشيء للحديث عن هذه الشخصية التي تعد أظهر مثال على تخطي عقيدة الولاء والبراء وعلى ضربها في الصميم، وتعتبر سابقة في المضمار التغريبي الذي يناقض هذه العقيدة و رائدة له في العالم الإسلامي .. و يكفي في ذلك ما أورده الجبرتي المعاصر لهذه الشخصية، و ما سجله عليها من سيئات، و ما رصدها به من تحركات مشبوهة .. وانتهاكات مكشوفة، مع أن الجبرتي يقف بتاريخه عند نهاية سنة (1236هـ) أي بعد حوالي ستة عشر عامًا من ارتقاء محمد علي لعرش مصر، و هي في نظرنا فترة كافية استطاع خلالها أن يسبر غور شخصية محمد علي ويعرف مداخلها و توجهاتها، و يلم بتطلعاتها وأهدافها، و قد انتقد كثير من المؤرخين ذوي المنهج الاستشراقي الجبرتي في إسرافه كما يقولون في نقد محمد علي، و قالوا: (إن الجبرتي لم يعش ليرى ثمرة ما قام به محمد علي من أعمال عظيمة) . و هذا واضح مع تأثير الميكافيليلة؛ إذ يبررون الوسيلة بالغاية، هذا على فرض أن غايته كانت نبيلة، مع أن هذا خلاف الواقع كما سنرى ..
و قد استمر محمد علي بعد وفاة الجبرتي في سدة الحكم حوالي تسعة وعشرين عامًا لم يدركها الجبرتي؛ لأنه قد توفي عام (1237هـ) على المشهور من الروايات، بعد أن قتل ولده فبكاه كثيرًا حتى ذهب بصره، و لم يطل عماه، فقد عاجلته وفاته مخنوقًا بشارع شبرا، و نظرًا للآراء الجريئة التي أطلقها في تاريخه ضد محمد علي باشا، و عدم تملقه إياه و ممالأته له، ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن محمد علي كان وراء تلك الجريمة البشعة؛ خصوصًا أنه كان خارجًا لتوه من قصره بشبرا، و كان الجبرتي يشغل منصب إفتاء الحنفية في عهد محمد علي، و قيل أن محمد بك الدفتردار و هو صهر محمد علي كان يحقد عليه فدس له من قتله، و تلك حجة أخرى تدين محمد علي لمكانة الدفتردار منه، ولا يبتعد أن يكونا متواطئين. انظر ترجمته في الأعلام (3/ 304) .
عمل محمد علي في تلك الفترة التي لم يدركها الجبرتي ما لم يكن يخطر على بال الجبرتي من الأعمال وأضعاف ما انتقده عليه و سجله في تاريخه ..
و الآن ننتقل إلى عقيدة الولاء والبراء وموقف محمد علي منها، لنرى كيف كان يتعمد تحطيمها وإزالتها من قلوب المسلمين و نفوسهم ولو بالقوة والنار، ليرضي أسياده الصليبيين، و ليخضع أمته و شعبه