الصفحة 46 من 306

وهذا المذكور من حال علي وابن مسعود - رضي الله عنهم - غيض من فيض، إذ لا يتسع المقام الإحاطة بحالهما، وإنما المراد التنبيه والإشارة إليه؛ لأن على علمهما المنقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجتهادهما، وفقههما اعتمد فقه أهل الكوفة، فما من مسألة يطول فيها الكلام على المذهب الحنفي الممثل لمدرسة الكوفة، وإلا وتجد أنهم يحتجون بما يروى عن علي - رضي الله عنه - أو ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ لما عرف من حالهما، وفضلهما، قال الإمام السَّرَخسي - رضي الله عنه - (1) في مسألة استدل فيها الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - بقول إبراهيم النخعي - رضي الله عنه: (( وما ذكر هذا على سبيل الاحتجاج بقول إبراهيم; لأن أبا حنيفة - رضي الله عنه - كان لا يرى تقليد التابعين, وكان يقول هم رجال ونحن رجال, ولكن ظهر عنده أن إبراهيم فيما كان يفتي به يعتمد قول علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -, فإن فقه أهل الكوفة دار عليهما, وكان إبراهيم أعرف الناس بقولهما، فما صح عنه فهو كالمنقول عنهما, فلهذا حشا الكتاب من أقاويل إبراهيم ) ).

أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه:

وهو ممن ولي إمرة الكوفة والبصرة لعمر - رضي الله عنه -، وجاهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحمل عنه علمًا كثيرًا، واستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعاذًا على زَبيد، وعَدَن، واستعمله عثمان - رضي الله عنه - على الكوفة، وكان عمر - رضي الله عنه - إذا رآه قال: (( ذكِّرنا ربنا يا أبا موسى ) )، فيقرأ عنده، وكان أبو موسى - رضي الله عنه - هو الذي فقَّه أهل البصرة وأقرأهم، سكن الكوفة وتفقه به أهلها حتى استعمله عثمان عليهم بعد عزل سعيد بن العاص (2) .

(1) في المبسوط 11: 2.

(2) ينظر: الإصابة 4: 211-213، وسير أعلام النبلاء 2: 380-381، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت