وهذه الملازمة لأهل كلِّ بلد لمن حلّ فيها من الصحابة - رضي الله عنهم - وغيرهم من المجتهدين كانت لمعرفتهم بهم ووثوقهم بمروياتهم، فليس من السهل عليهم التحول عما ألفوه وعرفوه وساروا عليه، كما لا يحسوا بالحاجة الملحة الشديدة إلى معرفة فقه غير بلدهم وبحث ما عند فقهائه، وهكذا نجد كل قطر يلزم فتاوى وأقضية فقهائه، فأهل المدينة أكثر ما يتبعون عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - وأهل الكوفة فتاوى ابن مسعود وتلامذته علقمة النخعي والأسود بن يزيد وإبراهيم النخعي، وأهل البصرة فتاوى أبي موسى الأشعري وأنس بن مالك ومحمد بن سيرين، وأهل الشام فتاوى معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وتلامذتهم كأبي إدريس الخولاني وعمر بن عبد العزيز، وأهل مصر فتاوى عبد الله بن عمرو بن العاص (1) .
قال العلامة ولي الله الدّهْلَويّ (2) : (( رأى كل صحابي ما يسرّه الله له من عبادته وفتاواه وأقضيته - صلى الله عليه وسلم - فحفظها وعَقَلها وعرف لكل شيء وجهًا من قبل حُفُوف القرائن به، فحمل بعضها على الإباحة وبعضها على الاستحباب وبعضها على النسخ؛ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده، ولم يكن العمدة عندهم إلا وجود الاطمئنان والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال ، كما ترى الأعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم ، وتثلجُ صدورهم بالتصريح والتلويح والإيماء من حيث لا يشعرون.
فانقضى عصره الكريم وهم على ذلك، ثم إنهم تفرقوا في البلاد وصار كل واحد منهم مقتدى في ناحية من النواحي. فكثرت الوقائع ودارت المسائل، فاستفتوا فيها فأجاب كل واحد حسب ما حفظه أو استنبطه، وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبطه ما يصلح للجواب اجتهد برأيه وعرف العلّة التي أدار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه الحكم حيثما وجدها لا يألو جهدًا في موافقة غرضه - صلى الله عليه وسلم - )) .
(1) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص113، وغيره.
(2) في الإنصاف في أسباب الاختلاف ص22-23.