الصفحة 22 من 306

ثم إن عيّن المقلّد إمامًا مخصوصًا للرجوع إليه في كل مسألة دون أن يرجع إلى إمام آخر في مسألة من المسائل، فإنه يسمّى تقليدًا شخصيًا.

وإن لم يلتزم المقلّد ذلك بل يرجع في كلِّ مسألة إلى ما تيسر له، فإنه يسمّى تقليدًا مطلقًا.

ثم وإن كان التقليد موجودًا في عهد الصحابة والتابعين بنوعيه المذكورين، ولكن معظم الصحابة والتابعين الذين وجودوا أنفسهم قاصرين عن الاجتهاد كانوا يعملون بالتقليد المطلق من غير التزام لمذهب معيّن وكان التقليد الشخصي فيهم نادرًا، ولكن لما تغيّرت الزمان وكثرت الأهواء وفسدت الأفكار اختار العلماء لغير المجتهدين أن يلتزموا مذهب إمام معين، لا لأنه كان حكمًا شرعيًا، بل لكف الناس عن اتباع الهوى، فإن الرجل العامي إذا حصلت له الحرية في أن ينتقي من أقوال الفقهاء ما يوافق أهواءه لصار الدين لعبة في أيدي المتطفلين، تتلاعب به أهوائهم وهذا مما لا يبيحه أحد، فكان حكم التقليد الشخصي سدًا لذريعة لا تشريعًا لما لم يثبت من الصحابة والتابعين، قال شيخ الهند: التقليد الشخصي ليس بحكم شرعي، بل هو فتوى انتظامي )) .

وهذا الكلام في غاية الدقة والروعة إلا أنه يستدرك عليه بأن التقليد الشخصي هو الغالب أيضًا في عصر الصحابة - رضي الله عنهم -، بدليل أن أهل كلّ بلد كانوا يقلّدون مَن فيها من الصحابة - رضي الله عنه - أو العلماء فيما بعد، ولم يكن شائعًا عندهم فتوى غيرهم مثل فتاويهم، إلا أنه لم يكن منتشرًا مفهوم مذهب، بمعنى أنني على مذهب فلان، وإن كان حقيقة هو الواقع بتقليده لفلان، فهؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - لم يدعوا لأنفسهم مذاهب ويحملوا الناس عليها، ومثلهم مَن أتى بعدهم من العلماء، وإن كان العامة يقلدونهم، فحاصل الأمر أن اصطلاح مذهب لم يوجد في هذا العصر وإنما عرف متأخرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت