وهذا التقليد والاتباع لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولمن جاء بعدهم من العلماء المجتهدين لأنه كما يقول العلامة تقي الدين العثماني (1) : (( إن الطاعة بالذات لا تصلح في الشريعة الإسلامية إلا لله سبحانه ورسوله، وإن أحكام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مبيّنة في الكتاب والسنة إما صراحة وإما تضمنًا كما بسطه الأصوليون في كتبهم، فكل حكم وجد في الكتاب والسنة صريحًا ولا يحتمل إلا المعنى الظاهر منهما ولا يعارضه حكم آخر في الكتاب والسنة، فإن ذلك الحكم يجب العمل به عند الأمة جميعًا، وليست تلك المسألة محلًا للاجتهاد أو التقليد مثل فرضية الصلاة والأركان الأخرى وحرمة الزنا وشرب الخمر وأكل الربا والكذب في الكلام وأمثال ذلك، فإن جميع هذه الأحكام ثابتة بالكتاب والسنة لا مجال فيها للاجتهاد ولا حاجة فيها إلى التقليد.
ولكن هناك أحكامًا كثيرة في الكتاب والسنّة يوجد فيها شيء من الإجمال أو الإبهام أو احتمال أكثر من معنى واحد أو يعارضها أحكام أخرى في نفس الكتاب والسنّة، وهناك طريقان للعمل بمثل هذه الأحكام ولا ثالث لهما:
الطريق الأول: أن يبذل الرجل قصارى جهده في معرفة مراد الشارع ورفع هذا الإبهام أو التعارض بملكته العلمية الراسخة التي تؤهله لذلك، فهذا هو الاجتهاد.
الطريق الثاني: أن لا يجتهد الرجل بنفسه في الوصول إلى النصوص بل يعتمد في ذلك على من يزعمه أعلم وأفقه من نفسه عملًا بقوله سبحانه وتعالى: { فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } (2) .
وليتنبه هاهنا أنه قد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف التقليد:
فعرّفه بعضهم بقوله: العمل بقول الغير من غير معرفة دليله.
وعرفه الآخرون بقولهم: هو العمل بقول الغير من غير مطالبة دليله.
وهذا الثاني هو الأصح، فلا يشترط للمقلد أن يعرف دليل إمامه ولكن يشترط أن لا يطالبه بذلك.
(1) في أصول الافتاء ص15-17.
(2) النحل: من الآية43.