الصفحة 9 من 51

جـ - و في (باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة) ، من كتابه"جامع بيان العلم"؛ قال الحافظ ابن عبد البر - بعد أن خرَّج الحديث و شواهده: هذا يوضح لك أن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يُضاف إليها التحليل والتحريم، وأنه لا يجتهد إلا عالمٌ بها، ومَن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف، ولم يَجُزْ له أن يحيل على الله قولًا في دينه لا نظير له من أصل ولا هو في معنى أصل، وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديما وحديثا فتدبره. اهـ

و أَمّا جاء من آثارٍ في ذمّ الرأي و التحذير منه، فالمراد به الرأي الذي لا أصل له من الكتاب أو السُنّة، و كذا الرأي المخالف للكتاب و السنة، و لذا كانت القاعدة المقررة في الأصول أنه: لا اجتهاد مع النص. أي لا اجتهاد في مقابلة النص و مخالفته؛ كما قال القرطبي في"تفسيره". فهذا هو الرأي المذموم في الشرع.

و لو فطن ابن حزم الظاهري [1] لهذه المعاني و الشروط، لَمَا وَهَم و زَعَم أن ذلك الحديث ظاهر الكذِب و الوَضْع، و لِعل تعصبه لنُصرة مذهبه في إنكار القياس دفَعه لإنكار الحديث و ادعاء ما ادعاه من أوهامٍ في كتابه"الإحكام"! و سيأتي بيانه، و رَدّ دعاواه و كشف شُبهاته؛ إن شاء الله.

(فصل) في بيان احتجاج كبار الأئمة بحديث اجتهاد الرأي

احتجّ عددٌ كبير مِن كبار الأئمة الفقهاء و المُحَدِّثين و الحُفّاظ بحديث الاجتهاد هذا في عدة أمور؛ كالإمام الحُجة محمد بن إدريس الشافعي و الجصاص و الماوردي و الحافظ ابن عبد البر و الخطيب البغدادي و ابن العربي و ابن قُدامة المقدسي و ابن تيمية و ابن القيّم و ابن كثير، و ليس الغرض هنا الانتصار لواحدٍ من هذه الأمور، و لكن الغرض إظهار وقوع الاحتجاج بالحديث و ثبوته، و بيان ذلك على سبيل التفصيل و التطويل؛ قطعًا للشك، و حسمًا لمادة النزاع:

(1) أبو محمد بن حزم، العلامة علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب ابن صالح الأموي مولاهم، الفارسي الأصل، الأندلسي القرطبي الظَّاهري، صاحب المصنفات، قال الذهبي: كان إليه المنتهى في الذكاء وحدة الذهن، وسعه العلم بالكتاب والسنّة، والمذاهب والملل والنِّحل، والعربية والآداب، والمنطق والشعر، قال الغزالي: والديانة والذمّة والسؤدد والرئاسة والثروة وكثرة الكتب. العبر في خبر من غبر. و قال ابن حجر: كان شافعيا فمضى على ذلك وقت، ثم انتقل إلى مذهب الظاهر وتعصب له، وصنف فيه ورد على مخالفيه، وكان واسع الحفظ جدًا، إلا أنه لثقة حافظ، كان يهجم كالقول في التعديل والتخريج وتبين أسماء الراوة، فيقع له من ذلك أوهام شنيعة. [لسان الميزان]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت