وللحديث طريقٌ أخر ى عن عبادة بن نُسَي عن عبد الرحمن بن غنْم عن معاذ بن جبل؛ أخرجه أبو القاسم الجرجاني و ابن عساكر في"تاريخهما". و سيأتي بعد في موضعه. [1]
توضيح و تنبيه لازم
ليس الرأي بالتشهي، وإنما هو مايراه أهل العِلم بعد التدبر. [2]
أ - و قد أوضح الإمام الشافعي رحمه الله أن الاجتهاد إنما هو بالحمْل على الأصليْن: كتاب الله و سُنة رسول الله؛ قال في"الأم": فإذا كانا موجوديْن فهما الأصلان، وإذا لم يكونا موجوديْن فالقياس عليهما، لا على غيرهما.
قال: ومعنى الاجتهاد من الحاكم إنما يكون بَعدَ أن لا يكون فيما يريد القضاء فيه كتابٌ ولا سُنة ولا أمرٌ مجتمع عليه، فأمّا وشيء من ذلك موجود فلا. اهـ
ب - و في كتابه"معالم السُنن" (تفسير سُنن أبي داود) للإمام أبي سليمان الخَطّابي (ت 388 هـ) أَورَدَ الحديث - من باب اجتهاد الرأي في القضاء - و قال: قوله: (اجتهد برأيي) يريد الاجتهاد في ردّ القضية من طريق القياس إلى معنى الكتاب والسنة، ولم يُرِد الرأيَ الذي يسنح له من قِبَل نفسه أو يخطر بباله عن غير أصل من كتاب أو سنة. وفي هذا إثبات القياس وإيجاب الحكم به.
قال: وفيه دليلٌ على أنه ليس للحاكم أن يقلِّد غيره فيما يريد أن يحكم به، وإن كان المقلَّد أعلم منه وأَفقه، حتى يجتهد فيما يسمعه منه، فإن وافق رأيه واجتهاده أمضاه، وإلا تَوقف عنه؛ لأن التقليد خارجٌ من هذه الأقسام المذكورة في الحديث.
وقوله: (لا آلو) معناه لا أقصر في الاجتهاد، ولا أترك بلوغ الوسع فيه. انتهى كلام الخطابي.
و فيه دليلٌ على حُجّية الحديث عنده، و الاحتجاج به في إثبات القياس، و إيجاب الحُكم به.
(1) ذكره الخطيب البغدادي في"الفقيه و المتفقه"، و ابن قدامة المقدسي في"روضة الناظر"، و أخرجه أبو القاسم الجرجاني في"تاريخ جرجان"، و ابن عساكر في"تاريخ دمشق". و بيان ذلك في متن البحث.
(2) "عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي"لأبي بكر بن العربي المالكي.