و إنما المُراد بالحديث أنّ هناك من الوقائع و الأقضية ما ليس فيه - بعيْنه - نَصٌّ من الكتاب أو السُنّة تصريحًا. و هذا سبيلُه الاجتهادُ في معرفة الأحكام، سواء أكان ذلك بطريق القياس أَم بغيره،
و القول بوجود نَصّ في كل الوقائع و الأحداث بأعيانها مُكابرة.
و لعله غفَل عما أوضحه الإمام الشافعي من أن الاجتهاد إنما هو بالحمْل على الأصليْن: كتاب الله و سُنة رسول الله؛ قال في"الأم": فإذا كانا موجوديْن فهما الأصلان، وإذا لم يكونا موجوديْن فالقياس عليهما، لا على غيرهما. و في كلامه هذا إثبات لِما نفاه ابن حزم و أنكره آنفا.
و قال أيضا: و معنى الاجتهاد من الحاكم إنما يكون بَعدَ أن لا يكون فيما يريد القضاء فيه كتابٌ ولا سُنة ولا أمرٌ مجتمع عليه، فأمّا وشيء من ذلك موجودٌ فلا. و قد تقدم ذكره.
و ما جاء في حديث معاذٍ رضي الله عنه من وقوع أقضية لا نَصّ فيها - بأعيانها - من كتابٍ و لا سُنّة، جاء نظيره في أحاديثٍ أخرى قال الأئمةُ و ابن حزم نفسه بصحتها. و سيأتي.
و كلام ابن حزم في نكارة المتن مردودٌ عليه، و مدفوعٌ بعدة أمور:
الأول: أن للحديث عدة شواهد صحيحة:
1 -و منها أثر عمر رضي الله عنه _ و هو رسالته إلى شريحٍ القاضي _ الذي أخرجه النسائي في"سننه الكبرى"، في باب الحكم باتفاق أهل العلم؛ قال: أخبرنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا سفيان عن الشيباني عن الشعبي عن شريح: أنه كتب إلى عمر يسأله، فكتب إليه: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله؛ فبسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم؛ فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يقض به الصالحون؛ فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك. والسلام عليكم. اهـ