سابع الأوهام: دعوى وضْع الحديث و بطلان متنه:
لو اقتصر ابن حزم على تضعيف الحديث من ناحية السَند؛ لكان ذلك أمرًا محتملًا و مُتقَبلًا، و لكنه اشتَطَّ؛ فادَّعى جازمًا في كتابه"الإحكام"أن ذلك الحديث ظاهرُ الكَذِب و الوَضْع؛ بدعوى بُطلان مَتْنه؛ قال: (وأيضا فإن هذا الحديث ظاهر الكذب والوضع؛ لأن من المُحال البيِّن أن يكون الله تعالى يقول:(اليوم أكملت لكم دينكم) ، و (ما فرطنا في الكتاب من شئ) ، و (تبيانا لكل شئ) ، ثم يقول رسول الله (صلى الله عليه و سلم) : إنه ينزل في الديانة ما لا يوجد في القرآن.
ومن المُحال البيِّن أن يقول الله تعالى مخاطبا لرسوله (صلى الله عليه و سلم) : (لتبين للناس ما نزل إليهم) ، ثم يقول رسول الله (صلى الله عليه و سلم) : إنه يقع في الدين ما لم يبينه عليه السلام، ثم من المحال الممتنع أن يقول رسول الله (صلى الله عليه و سلم) : فاتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بالرأي فَضَلُّوا وأَضلّوا - جاء هذا بالسند الصحيح الذي لا اعتراض فيه، وقد ذكرناه في باب الكلام في الرأي - ثم يطلق الحكم في الدين بالرأي، فهذا كله كَذِبٌ ظاهر لا شك فيه). انتهى كلام ابن حزم. و قال في موضع آخر: فهذا كذِبٌ ظاهر لا شكّ فيه. [!]
و قد أنكر ابن حزم متن الحديث هنا، زاعمًا أنه من المُحال البَيّن أن يكون الله تعالى قد أكمل الدين و أنزل الكتاب تبيانا لكل شيء، ثم يقول رسول الله (صلى الله عليه و سلم) : إنه ينزل في الديانة ما لا يوجد في القرآن. و زاعمًا أيضًا أنه من المُحال البيّن أن يؤمر النبي صلى الله عليه و سلم بتبيين ما أُنزِل إلى الناس، ثم يقول إنه يقع في الدين ما لم يبينه هو عليه الصلاة و السلام. و أنه من المُحال الممتنع أن يُطْلِقَ عليه الصلاة و السلام الحكم في الدين بالرأي؛ هكذا قال.
و سبب الوهم عند ابن حزم في زعمه هذا، هو مذهبه في الأخذ بظاهر النصوص و ترك التأويل و لو مع الدليل، و بما أن حديث مُعاذٍ هذا ليس على ظاهرِه؛ لتعارضه مع ظاهر النصوص التي ذكرها؛ لذا وَهَم ابن حزم فيه و أنكره، هذا فضلًا عن تعصبه الشديد لمذهب الظاهرية في نفي القياس.