الصفحة 38 من 51

و رسالة عمر هذه إلى شريح التي أخرجها النسائي، ذكرها ابن حزم، و أخرجها من طريقه في كتابه"الإحكام"، و احتجّ بها، و قال بصحّتها، و هي نظيرُ ما أنكره في حديث معاذٍ؛ قال - ابن حزم بعد أن أَعَلّ و أَنكر رسالة عمر المشهورة إلى أبي موسى الأشعري: (وأما الرسالة التي تصِحّ عن عمر فهي غير هذه، وهي التي حدثنا بها عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن معاوية المرواني نا أحمد بن شعيب النسائي نا محمد بن بشار نا أبو عامر العقدي نا سفيان الثوري عن أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي، عن شريح: أنه كتب إلى عمر يسأله. فكتب إليه عمر: أن اقض بما في كتاب الله تعالى، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، فاقض بما قضى الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولم يقض به الصالحون، فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك. والسلام) . اهـ

و هي نظير حديث معاذ في الاجتهاد، سوى لفظ (فاقض بما قضى به الصالحون) بدلًا من لفظ معاذ (أجتهد رأيى) . و لا مُنافاةَ بينهما؛ فالقول الأول (بما قضى به الصالحون) هو ثمرةٌ للثاني (أجتهد رأيى) و نتيجة له. [1]

على أنه قد جاءت الرواية فيها بلفظ (فاجتهد رأيك) ؛ في أثر عمر رضي الله عنه، الذي أخرجه الحافظ ابن عبد البر في"جامع بيان العلم"، في باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة؛ قال: أخبرنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثني يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا سيار عن الشعبي، قال: لما بعث عمر شريحا على قضاء الكوفة، قال له: (انظر ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد رأيك) . اهـ و أخرجه الخطيب البغدادي في"الفقيه و المتفقه"أيضا.

(1) لأن قول عمر لشريح: (فاقض بما قضى به الصالحون) المُراد بهم الصحابةُ على الأظهر؛ لأن شريحًا كان من كبار التابعين، فأوصاه عمر باتباع قضاء مَن سبقه مِن الصحابة فيما (لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم) ، و قضاؤهم هذا كان بطريق الاجتهاد؛ لقول الصحابي مُعاذ: (أَجتهد رأيى) .

قال ابن عبد البر: أدرك شريح القاضي الجاهلية، ويعد في كبار التابعين، وكان قاضيًا لعمر بن الخطاب على الكوفة ثم لعثمان ثم لعلي رضي الله عنهم، فلم يزل قاضيًا بها إلى زمن الحجاج، وكان أعلم الناس بالقضاء، وكان ذا فطنة وذكاء ومعرفة وعقل ورصانة، وكان شاعرًا محسنًا وله أشعار محفوظة في معان حسان، وكان كوسجًا سناطًا لا شعر في وجهه، وتوفي سنة سبع وثمانين، وهو ابن مائة سنة، وولى القضاء ستين سنة، من زمن عمر إلى زمن عبد الملك بن مروان. [الاستيعاب في معرفة الأصحاب]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت