قال: و لا يكون الرَجلُ للرجلِ صاحبًا حتى يكون له به اختصاص، فكيف و قد زيد تعريفًا بهم أن أُضيفوا إلى بلد [1] .
قال: و قد خرَّج البخاري - الذي شرَط الصحة - في حديث عروة البارقي: سمعتُ الحيَّ يتحدثون عن عروة [2] ، و لم يكن ذلك الحديث من جملة المجهولات، و قال مالك في القسامة: أخبرني رجالٌ من كبراء قومه [3] ، و في الصحيح عن الزهري: حدثني رجالٌ عن أبي هريرة: (من صلى على جنازة فله قيراط) [4] . انتهى كلام ابن العربي. [5]
و معلومٌ صحة الأحاديث التي أخرجها الإمام البخاري في كتابه المُسَمى بالصحيح؛ رَوى الإسماعيلي عنه قال:"لم أُخُرِّج في هذا الكتاب إلاّ صحيحًا"، و قال إبراهيم بن معقل النسفي: سمعتُ البخاري يقول:"ما أدخلت في كتابي الجامع إلاّ ما صَحّ، و تركت من الصحيح حتى لا يطول"؛ ذكرهما الحافظ ابن حجر في"مقدمة الفتح". و كذلك الحال في أحاديث"صحيح مسلم"، و"الموطأ"أيضًا.
فهذه الأحاديث الموجودة في تلك الكتب الصِحاح لا تُعَدّ من المجهولات؛ فكذلك نظيرها حديث معاذ في الاجتهاد.
3 -و ينضافُ إلى ما تقدّم، بل يتقَدمه، دخولُ هؤلاء الجماعة مِن أصحاب مُعاذٍ في عموم التابعين، المشهود لهم بالخَيْرية مِن النبي صلى الله عليه و سلم؛ بقوله في الحديث الصحيح، الُمتَفق عليه: «خير الناس قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... » . و هو تعديلٌ و توثيقٌ من النبي صلى الله عليه و سلم لهؤلاء المذكورين، ما بَعْدَه تعديل و توثيق.
قال النووي في شرحه على مسلم: والصحيح أن قرنَه صلى الله عليه و سلم الصحابةُ، والثاني التابعون، والثالث تابعوهم. و كذا قال ابن حجر في"الفتح".
و الحديثُ جاء بلفظ العموم:"ثم الذين يَِلُونَهُم"، فَمَن ادعى زوالَه عن بعض المذكورين فيه بِالخَيْريَة لأمرٍٍ ما - كهؤلاء التابعين من أصحاب معاذ - فعليه الدليل. و لا دليل هنا، بل اتفق العلماء على تعديلهم و توثيقهم، رضيَ الله عنهم. و قد تقدم.
و عليه، فابن حزم أَعَلَّ حديث الاجتهاد بما ليس بِعِلَّة.
(1) يعني: ما جاء في الحديث من وصفهم بأنهم أناسٌ من أهل حِمْص
(2) الحديث أخرجه البخاري في"صحيحه"، كتاب المناقب:
-حدثنا على بن عبد الله أخبرنا سفيان حدثنا شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحيّ يتحدثون عن عروة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أعطاه دينارا يشترى به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.
قال سفيان كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه، قال: سمعه شبيب من عروة، فأتيته، فقال شبيب: إنى لم أسمعه من عروة، قال: سمعت الحى يخبرونه عنه. اهـ
قال ابن حجر في"الفتح": قوله سمعتُ الحيَّ يتحدثون. أي قبيلته.
(3) الحديث أخرجه مالك في"الموطأ"، في كتاب القسامة:
-حدثنى يحيى عن مالك عن أبى ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبى حثمة أنه أخبره رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير بئر أو عين فأتى يهود فقال أنتم والله قتلتموه .... اهـ
(4) الحديث أخرجه مسلم في"صحيحه"، في باب فضل الصلاة على الجنازة:
-حدثنى عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثنى أبى عن جدى قال حدثنى عقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال حدثنى رجال عن أبى هريرة عن النبى -صلى الله عليه وسلم-. بمثل حديث معمر وقال «ومن اتبعها حتى تدفن» . اهـ
(5) عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، للقاضي أبي بكر بن العربي، ط دار الكتب العلمية، عن الطبعة المصرية القديمة
[نسخة المكتبة الوقفية]