أولًا: رَدّ دعوى وجود مجاهيل في إسناد الحديث
أ - دعوَى جهالة هؤلاء الجماعة من أصحاب معاذٍ رضي الله عنه:
1 -هذه الدعوى مردودةٌ و مدفوعةٌ بما ذكره الإمامان الخطيب البغدادي و ابن القيِّم - آنفا - مِن تزكيتهم و تعديلهم، فهذا الحديث وإن كان عن أناسٍ مُبهَمين من أصحاب معاذ؛ فلا يضره ذلك؛ لأن إضافته إلى رجالٍ من أصحاب معاذ توجب تأكيده؛ لأنهم لا يُنسبون إليه أنهم من أصحابه، إلاّ وهمّ ثِقاتٌ مقبولو الرواية عنه؛ كما قال الإمام أبو بكر الجَصاص. [1]
و في بيان ذلك؛ قال ابن القيم: فهذا الحديث وإن كان عن غير مُسمّين فَهُمّ أصحاب معاذ فلا يضره ذلك؛ لأنه يدل على شهرة الحديث، وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو عن جماعةٍ من أصحاب معاذ، لا عن واحدٍ منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سُمّي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، ولا يُعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك. و قد تقدم
و هو جوابٌ جَيّد، لا يَسَع المُخالِفُ إنكارَه، بل أَقَرّه بعض مَن قال بنكارة الحديث مِن المعاصرين؛ قال الشيخ الألباني: فهذا جوابٌ صحيح لو أن علة الحديث محصورة بهذه العلة [2] . و أَعَلّه بِعِلتيْن أُخْرَتيْن.
2 -و أيضا فتلك العِلة مدفوعة بأنّ للحديث نظائرُ - في إسقاط الأسماء عن جماعة - في"الصحيحيْن"و"الموطأ"؛ كما أوضح الإمام أبو بكر بن العربي؛ فعدم تسمية مثل هؤلاء الجماعة لا تُدخِله في حيّز المجهولات، و لا تُخرِجه من حيِّز الصحيح.
قال ابن العربي في"عارضة الأحوذي"- في بيان صحة ذلك الحديث: و لا أحدَ من أصحاب معاذ مجهولًا، و يجوز أن يكون في الخبر إسقاط الأسماء عن جماعةٍ، و لا يُدخِله ذلك في حيِّز الجهالة، و إنما يدخل في المجهولات إذا كان واحدًا؛ فيقال: حدثني رجلٌ، حدثني إنسان.
(1) قال الجصّاص: فإن قيل: إنما رواه [أي الحارث بن عمرو] عن قوم مجهولين من أصحاب معاذ.
قيل له: لا يَضرّه ذلك، لأن إضافته ذلك إلى رجال من أصحاب معاذ توجب تأكيده؛ لأنهم لا يُنسبون إليه أنهم من أصحابه، إلاّ وهمّ ثِقاتٌ مقبولو الرواية عنه. [الفصول في الأصول]
(2) قال الألباني: و أجاب ابن القيم عن العلة الثانية، و هي جهالة أصحاب معاذ بقوله في"إعلام الموقعين" (1/ 243) :"و أصحاب معاذ و إن كانوا غير مسمين فلا يضره ذلك، لأنه يدل على شهرة الحديث، و شهرة أصحاب معاذ بالعلم و الدين و الفضل و الصدق بالمحل الذي لا يخفى ....". أقول: فهذا جواب صحيح لو أن علة الحديث محصورة بهذه العلة، أما و هناك علتان أخريان قائمتان، فالحديث ضعيف على كل حال، و من العجيب أن ابن القيم رحمه الله لم يتعرض للجواب عنهما مطلقا. فكأنه ذهل عنهما لانشغاله بالجواب عن هذه العلة و الله أعلم. ثم تبين لي أن ابن القيم اتبع في ذلك كله الخطيب البغدادي في"الفقيه و المتفقه". السلسلة الضعيفة، الألباني [2/ 380]