و مما يؤكد أن محمد بن سعيد راوي حديث معاذ هذا، ليس هو الوضّاع المتروك المصلوب للزندقة؛ قول الخطيب البغدادي في"الفقيه و المتفقه": (وقد قيل: إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة) . ولم يذكر جرحًا فيمن سواهم من رجاله.
و هذا الحديث الذي أخرجه الجرجاني و ابن عساكر من طريق عبادة بن نسي، و ابن عساكر من طريق البغوي، ألصق و أقرب لحديث شعبة عن أبي عون، مما ذكره البعض من أنه الحديث الذي أخرجه ابن ماجه في"سُننه": (ثنا الحسن بن حماد سجادة ثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم قال حدثنا معاذ ببن جبل، قال: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، قال:"لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم، فإن أشكل عليك أمر فقف عليه حتى تبينه أو تكتب إلي فيه") . رواه في باب اجتناب الرأي و القياس، و ليس فيه ذِكرٌ للرأي. وهذا مغايرٌ لمنطوق و مدلول حديث شعبة عن أبي عون في اجتهاد الرأي. و هذا ظاهر.
و برواية الحديث من طريق عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ؛ سقط و بطل قول ابن حزم إنه لم يأت هذا الحديث قَط من غير طريقه. يعني: طريق الحارث بن عمرو.
هذا من ناحية
4 -و من ناحية أخرى، فرابع الأوهام: قول ابن حزم إن الحديث لم يُعرف قَط في عصر الصحابة ولا التابعين، ولا ذكره أحد منهم (حتى ذكره أبو عون بن عبيد الله الثقفي وحده) لو سَلّمناه جدلًا، لم يقدح ذلك فيه، و لم يضرّه؛ فأبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي شيخ شُعبة، تابعيّ ثقة، و من رجال"الصحيحيْن" [1] ؛ ذكره الإمام الحافظ الناقد أبو الحسن العجلى في كتابه"معرفة الثقات"؛ فقال: محمد بن عبيد الله أبو عون الثقفي كوفي تابعي ثقة. اهـ
أ - فأمّا أنه تابعي؛ فلِما ثبتَ من سماعه من الصحابي الجليل جابر بن سمرة رضي الله عنه؛ فيما أخرجه البخاري في"صحيحه"، في باب يُطول في الأولييْن ويحذف في الأخرييْن؛ قال:
(1) أخرج البخاري حديثه في باب يطول في الأوليين ويحذف في الأخريين؛ قال:
728 -حدثنا سليمان بن حرب، قال حدثنا شعبة عن أبي عون، قال سمعت جابر بن سمرة قال:
قال عمر لسعد: لقد شكوك في كل شيء حتى الصلاة. قال: أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الأخريين ولا آلو، ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ز قال: صدقت ذاك الظن بك أو ظني بك. اهـ
قال ابن حجر في"مقدمة الفتح": أبو عون الثقفي محمد بن عبيد الله.
و أخرج مسلم حديثه أيضا في صحيحه - (باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي عن منع وهات وهو الامتناع من أداء حق لزمه أو طلب ما لا يستحقه) - قال:
3239 - حدثنا ابن أبي عمر حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن محمد بن سوقة أخبرنا محمد بن عبيد الله الثقفي عن وراد قال
كتب المغيرة إلى معاوية سلام عليك أما بعد، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله حرم ثلاثا ونهى عن ثلاث: حرم عقوق الوالد ووأد البنات ولا وهات، ونهى عن ثلاث: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال". اهـ
و جابر بن سمرة صحابي توفي بعد 70 هـ: 74 أو 76 هتـ بالكوفة.