الصفحة 22 من 51

، وكمالك وابن وهب وسحنون وإسماعيل ونظرائهم، وكالشافعي والمزني والربيع وابن شريح ونظرائهم، فاحتجوا لما قاله الأول منهم بمرسل أو رواية عن صاحب نجدها في الأكثر لا تصح، أو تصح ونجد فيها خلافا من صاحب آخر، أوْ لا نجد؛ فأشاعوها في أتباعهم فتلقاها الأتباع عنهم وتدارسوها وتهادوها بينهم، وأذاعوها عند القلة الآخذة عنهم، فتداولوها على ألسنتهم ومجامعهم وفي تواليفهم وفي مناظراتهم بينهم أو مع خصومهم؛ فوسموها بالانتشار والاشتهار والتواتر، ونقل الكواف، وهي في أصلها هباء منبث وباطل مولد، أو خامل في مبدئه، وإن كان صحيحا لم يعر ف منتشرا قط.

فهذه صفة ما يدّعون فيه الانتشار والتواتر، كالخبر المضاف إلى معاذ رضي الله عنه في اجتهاد الرأي؛ فما عرفه قَط أحدٌ في عصر الصحابة، ولا جاء قَط عن أحدٍ منهم أنه ذكره، لا من طريق صحيحة ولا من طريق واهية، ولا متصلة ولا منقطعة، ولا جاء قَط عن أحد التابعين أنه عرفه ولا ذكره في رواية صحيحة ولا سقيمة، لا موصولة ولا مقطوعة، حتى ذكره أبو عون محمد بن عبيد الله وحده.

وإنما أخذه عن مجهولٍ لا يعرفه أحد، عن مثله فيما ادعى وزعم ذلك المجهول أيضا، فأخذه عن أبي عون فيما بلغنا رجلان فقط، شعبة وأبو إسحاق الشيباني، ثم اختلفوا أيضا في كافة لفظه ومعناه على أبي عون، فلما ظفر القائلون بالرأي عند شعبة وثبوا عليه وطاروا به شرقا وغربا، وكادوا يضربون الطبول حتى عرفه من لا يَعرف عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) كلمة، وادعوا فيه التواتر.

ومعاذ الله مِن هذا؛ فما أصله إلا مظلم ولا مخرجه إلا واه، ولا منبعثه إلا من باطل وتوليد موضوع مفتعل ممن لا يُعرف عمن لم يُسَمّ، و لم يُعرف قَط في عصر الصحابة ولا في عصر التابعين، ولا ذكره أحد منهم غير أبي عون بن عبيد الله الثقفي وحده كما ذكرنا، فهذه صفة جمهور ما يدعون فيه التواتر والانتشار، بل صفة جميعه ... ). اهـ [1]

و القائلون بشهرة ذلك الحديث و تواتره إنما أرادوا بهما الشهرة المعنوية و التواتر المعنوي؛ بشهرته في كتب أهل العلم و عند العلماء، و تلقي الأمة له بالقبول عصرًا بعد آخر؛ كما قال ابن العربي و ابن قدامة، لا المعنى الاصطلاحي الخاص؛ كما تَوَّهم ابن حزم. و لا مُشاحة في الأسامي بعد الاعتراف بالمعاني.

(1) الإحكام لابن حزم، باب الإجماع، فصل في إبطال قول من قال إن قول الواحد من الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع. [الإحكام لابن حزم]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت