والذي يدرك المعاني هو الذي ينفعل بهذا الكلام، رجل لا يهمه الكلمات الجميلة ولا يفهم المعاني العظيمة في الوجود؛ يعني كلمة الشجاعة عنده ككلمة الجُبن، كلمة البخل ككلمة الكرم، كلمة القذارة ككلمة الطهارة، كلمة الحُسن ككلمة القُبح، هذا لا يفهم كتاب ربنا، لا قيمة له. وإنما الذي يتذوق هذا الكلام وينفعل به عملًا وإرادة حتى يموت في سبيله هو الذي يهتم بالمعاني، وكلما ارتقى المرء في إنسانيته كلما ارتقى ذوقه للمعاني، فيمكن له أن يبذل روحه من أجل كلمة، وهذا هو الشهيد، فإنه يموت، يبذل روحه من أجل لا إله إلا الله، معنى، لا يأتيه شيء إلا أن لهذه الكلمة لها جلال وعظمة، لا يحب أن تقع موقعًا تُهان فيه فيمكن أن يموت من أجلها.
هذه قيم المعاني في النفوس لأن الإنسان انحدرت إنسانيته لم يعد يتذوق هذه المعاني، صار تذوقه للدينار، للدرهم، للدولار، تذوقه للمحسوس، ومن هنا فالإنسان لو أبدع في المحسوس يمكن أن يُمدح، ولكن أعظم ما أُعطِيَهُ الإنسان هو البيان المعبر عن المعاني. وللذكر فإن الشرع نهى عن تسمية العنب بالـ"كَرْم"؛ والسبب أن العنب هو مادة الخمر، والخمر كان عند العرب يُطلِق الكَرِم، فسمي الخمر كرم لأنه يطلقه، فنُهي عن تسمية العنب بالكرم، لهذا السبب.
قال الله -عز وجل-: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} ، العربي كانت له معانٍ، كان له شرف وهو شرف الحَسَب، شرف الانتساب للآباء لما فيهم من أمجاد وما فيهم من خصال وما فيهم من مكارم وفِعال، فكان العربي يتغنَّى بها، فلما أراد الله -عز وجل- أن يسحب هذا الجاهلي إلى أمر قَارَنَه بأمر جليل في نفسه فقال: {كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ} ؛ هذا الانتساب للآباء والتغني بأمجادهم شيءٌ مفطورٌ عليه هذا العربي، وكلما انحدر الإنسان في قِيَمه كلما انحدر تعلُّقه في القرآن، وكلما انحدرت أذواقه كلما تعطلت عنده المعاني؛ لأن الإنسان لو ذهب لسانه لا يذوق الحلو، ولا يعرفه عن المر، ولا يعرف الحامض، ولا يعرف الحار، ولا يعرف البارد، تتعطل حواسه.