فقال النبي: (من قال هذا الكلام؟) ، فالرجل خاف، حتى قال له: (لقد رأيت كذا وكذا ملكًا) ، وفي رواية حدَّدت العدد بستٍ وثلاثين ملكًا، (يبتدِرونَها أيُّهم يكتبُها أوَّلُ) [1] . هل الملائكة تختصم؟ نعم، النبي أخبرنا بهذا - صلى الله عليه وسلم -، قال: (فيم تختصم الملأ الأعلى؟) [2] فيم تختصم أي تتصارع وتتنافس، الخِصام التنافس. يتنافسون في كتابة الأعمال الصالحة.
فهؤلاء الملائكة تنافسوا، والعلماء وقفوا لماذا هذا العدد ستة وثلاثون ملكًا؟ فبعضهم أحصى الكلمات في بعض الروايات فوجد أن كلماتها على هذا العدد، فهؤلاء الملائكة نزلوا يتنافسون على كل كلمة أيهم يكتبها أولًا. والذي يُستدل به فيما نحن فيه أن باب المحامد مضمار سبق، وكلما انفعل قلبك بصفة من صفات الجمال أو الجلال لله ربنا -جل في علاه-، وكلما رأيت نعمة لقوله في حديث معاذ: (أحبُّوا اللَّهَ لما يَغذوكم من نعمِهِ) [3] ، ورأيت نعمًا له حمدته وانطلق لسانك، في ذهنك العالم الذكي، في قلبك المنفعل، انطلق لسانك في الحمد، فكلما حمدت الله -عزَّ وجلَّ- اقتربت منه، وسارعت الملائكة إلى مصاحبتك.
هذا الحمد هو أعظم باب من أبواب العبودية بعد التوحيد، وهو وحده الذي يُسكِن غضب الرب، فكلما كان غضبه -جل في علاه- على معنى من المعاني الخاصة احتاج إلى حمد خاص، والدليل على هذا أن الله يوم القيامة كما في الحديث: (يغضب غضبًا لم يغضبه قط ولن يغضبه قط) ، فاحتاج هذا الغضب ليسكُن إلى محامد لم تُفتح على أحد مِن قَبل قط، يقول - صلى الله عليه وسلم: (فآتي تحتَ العرشِ، فأقعُ ساجدًا لربي عز وجل، ثم يفتحُ اللهُ عليَّ من محامدِه وحسنِ الثناءِ عليه شيئًا لم يفتحْه على أحدْ قبلي) [4] .
نحن سنبيِّن أن أعظم كلمة للحمد أن تقول:"الحمد لله"، لماذا؟ قالوا لأن الحمد جاء بصيغة مع (ال) الاستغراقية التي استغرقت كل المحامد، فأعظم الحمد أن تقول الحمد لله؛ لأنك بكلمتك هذه استغرقت كل المحامد. ومع ذلك فهناك من المحامد ما لم يعرفها البشر حتى يفتح الله -عزَّ وجلَّ- بها على قلب
(1) صححهُ الألباني في صحيح أبي داود: (770) .
(2) صححهُ الألباني في صحيح الترمذي: (3235) .
(3) ضعفهُ الألباني في ضعيف الترمذي وفقه السيرة وضعيف الجامع.
(4) صحيح البخاري: (4712) .