""""""صفحة رقم 60""""""
قَالُوا وَهُوَ مُقَدِّمَةُ الْقَلْبِ وَطَلِيعَتُهُ وَرَائِدُهُ ، فَمَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ أَقْرَبُ مِنْ مَنْزِلَةِ السَّمْعِ ، وَلِهَذَا كَثِيرًا مَا يُقْرَنُ بَيْنَهُمَا فِي الذِّكْرِ كَقَوْلِهِ
)فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ( فَالاعْتِبَارُ بِالْقَلْبِ وَالْبَصَرُ بِالْعَيْنِ .
وَقَوْلُهُ
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ( وَلَمْ يَقُلْ وَأَسْمَاعَهُمْ .
وَقَالَ تَعَالَى
)فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ( وَقَالَ
)يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ( وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْوَصْلَةِ وَالارْتِبَاطِ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْبَصَرِ .
وَلَمَّا كَانَ الْقَلْبُ أَشْرَفَ الأَعْضَاءِ كَانَ أَشَدَّهَا ارْتِبَاطًا بِهِ أَشْرَفَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلِهَذَا يَأْمَنُهُ الْقَلْبُ عَلَى مَا لا يَأْمَنُ السَّمْعَ عَلَيْهِ ، بَلْ إذَا ارْتَابَ مِنْ جِهَةٍ عَرَضَ مَا يَأْتِيهِ بِهِ عَلَى الْبَصَرِ لِيُزَكِّيَهُ أَوْ يَرُدَّهُ ، فَالْبَصَرُ حَاكِمٌ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهِ .
قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مَرْفُوعًا ( لَيْسَ الْمُخْبِرُ كَالْمُعَايِنِ ) وَلِذَا أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُوسَى بِأَنَّ قَوْمَهُ اُفْتُتِنُوا مِنْ بَعْدِهِ وَعَبَدُوا الْعِجْلَ فَلَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ مَا لَحِقَهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ وَمُعَايَنَتِهِ مِنْ إلْقَاءِ الأَلْوَاحِ وَكَسْرِهَا لِقُوَّةِ الْمُعَايَنَةِ عَلَى الْخَبَرِ .
وَهَذَا إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ سَأَلَ رَبَّهُ يُرِيهِ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى ، وَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ بِخَبَرِ اللَّهِ لَهُ ، وَلَكِنْ طَلَبَ أَفْضَلَ الْمَنَازِلِ وَهِيَ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ .
قَالُوا: وَلِلْيَقِينِ ثَلاثُ مَرَاتِبَ ، أَوَّلُهَا السَّمْعُ ، وَثَانِيهَا الْعَيْنُ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِعَيْنِ الْيَقِينِ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَرْتَبَةِ الأُولَى وَأَكْمَلُ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهَا .
قَالُوا: وَأَيْضًا فَالْبَصَرُ يُؤَدِّي إلَى الْقَلْبِ وَيُؤَدِّي عَنْهُ ، فَإِنَّ الْعَيْنَ مِرْآةُ الْقَلْبِ يَظْهَرُ فِيهَا مَا يُحِبُّهُ مِنْ الْبُغْضِ وَالْمَحَبَّةِ ، وَالْمُوَالاةِ وَالْمُعَادَاةِ ، وَالسُّرُورِ وَالْحُزْنِ ، وَأَمَّا الأُذُنُ فَلا تُؤَدِّي عَنْ الْقَلْبِ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ ، وَإِنَّمَا مَرْتَبَتُهَا الإِيصَالُ إلَيْهِ حَسْبُ ، فَالْعَيْنُ أَشَدُّ تَعَلُّقًا بِهِ .
قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنَّ كُلا مِنْهُمَا لَهُ خَاصِّيَّةٌ فَضَلَ بِهَا الآخَرَ ، فَالْمُدْرَكُ بِالسَّمْعِ أَعَمُّ وَأَشْمَلُ ، وَالْمُدْرَكُ بِالْبَصَرِ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ .
فَالسَّمْعُ لَهُ الْعُمُومُ وَالشُّمُولُ ، وَالْبَصَرُ لَهُ الظُّهُورُ وَالتَّمَامُ وَكَمَالُ الإِدْرَاكِ .
وَأَمَّا نَعِيمُ الْجَنَّةِ فَشَيْئَانِ أَحَدُهُمَا النَّظَرُ إلَى اللَّهِ ، وَالثَّانِي سَمَاعُ خِطَابِهِ وَكَلامِهِ كَمَا رَوَاهُ الإِمَامُ ابْنُ الإِمَامِ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي السُّنَّةِ وَغَيْرِهِ: كَأَنَّ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يَسْمَعُوا الْقُرْآنَ إذَا سَمِعُوهُ مِنْ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ .
قَالَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ سَلامَهُ عَلَيْهِمْ وَخِطَابَهُ لَهُمْ وَمُحَاضَرَتَهُ إيَّاهُمْ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ لا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ قَطُّ ، وَلا يَكُونُ أَطْيَبَ عِنْدَهُمْ مِنْهَا .
وَلِهَذَا يَذْكُرُ سُبْحَانَهُ فِي وَعِيدِ أَعْدَائِهِ أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ كَمَا يَذْكُرُ أَصْحَابُهُ عَنْهُمْ وَلا يَرَوْنَهُ ، فَكَلامُهُ وَرُؤْيَتُهُ أَعْلَى نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ .
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِ مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ: وَاخْتَلَفَ النُّظَّارُ فِي الضَّرِيرِ وَالأَطْرَشِ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إلَى الْكَمَالِ وَأَقَلُّ اخْتِلالا لأُمُورِهِ ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَيُّ الصِّفَتَيْنِ أَكْمَلُ ، صِفَةِ السَّمْعِ أَوْ صِفَةِ الْبَصَرِ ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَا قَدَّمْنَا وَأَنَّهُ أَيُّ الصِّفَتَيْنِ كَانَ أَكْمَلَ فَالضَّرَرُ بِعَدَمِهَا أَقْوَى .