الصفحة 56 من 830

""""""صفحة رقم 59""""""

رَسُولُهُ وَبَرِيدُهُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ الأَخْبَارَ ، وَاللِّسَانُ رَسُولُهُ وَبَرِيدُهُ الَّذِي يُؤَدِّي عَنْهُ مَا يُرِيدُ .

وَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ جُعِلَ هَذَا الرَّسُولُ مَصُونًا ، مَحْفُوظًا مَسْتُورًا غَيْرَ بَارِزٍ مَكْشُوفٍ كَالأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَالأَنْفِ ، لأَنَّ تِلْكَ الأَعْضَاءَ لَمَّا كَانَتْ تُؤَدِّي مِنْ الْخَارِجِ إلَيْهِ جُعِلَتْ بَارِزَةً ظَاهِرَةً ، وَلَمَّا كَانَ اللِّسَانُ مُؤَدِّيًا مِنْهُ إلَى الْخَارِجِ جُعِلَ مَسْتُورًا مَصُونًا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي إخْرَاجِهِ لأَنَّهُ لا يَأْخُذُ مِنْ خَارِجٍ إلَى الْقَلْبِ .

قَالَ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَشْرَفَ الأَعْضَاءِ بَعْدَ الْقَلْبِ ، وَمَنْزِلَتُهُ مِنْهُ مَنْزِلَةُ تَرْجُمَانِهِ وَوَزِيرِهِ ، ضُرِبَ عَلَيْهِ سُرَادِقٌ يَسْتُرُهُ وَيَصُونُهُ ، وَجُعِلَ فِي ذَلِكَ السُّرَادِقِ كَالْقَلْبِ فِي الصَّدْرِ .

فَعُلِمَ مِنْ كَلامِهِ أَنَّ أَشْرَفَ الأَعْضَاءِ بَعْدَ الْقَلْبِ اللِّسَانُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ .

3 ( مطلب هَلْ السَّمْعُ أَفْضَلُ أَمْ الْبَصَرُ ؟ ) 3

وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَمَّا كَانَ لِلسَّمْعِ وَالْبَصَرِ مِنْ الإِدْرَاكِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمَا مِنْ الأَعْضَاءِ كَانَا فِي أَشْرَفِ جُزْءٍ مِنْ الإِنْسَانِ وَهُوَ وَجْهُهُ .

وَاخْتُلِفَ فِي الأَفْضَلِ مِنْهُمَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: السَّمْعُ أَفْضَلُ مِنْ الْبَصَرِ .

قَالُوا لأَنَّهُ بِهِ تُنَالُ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، فَإِنَّهَا إنَّمَا تَحْصُلُ بِمُتَابَعَةِ الرُّسُلِ وَقَبُولِ رِسَالاتِهِمْ ، وَبِالسَّمْعِ عُرِفَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ مَنْ لا سَمْعَ لَهُ لا يَعْلَمُ مَا جَاءُوا بِهِ .

وَأَيْضًا فَإِنَّ السَّمْعَ يُدْرَكُ بِهِ أَجَلُّ شَيْءٍ وَأَفْضَلُهُ وَهُوَ كَلامُ اللَّهِ الَّذِي فَضَّلَهُ عَلَى الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ .

وَأَيْضًا إنَّمَا تُنَالُ الْعُلُومُ بِالتَّفَاهُمِ وَالتَّخَاطُبِ وَلا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلا بِالسَّمْعِ ، وَمُدْرَكُ السَّمْعِ أَعَمُّ مِنْ مُدْرَكِ الْبَصَرِ ، فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ ، وَالشَّاهِدَ وَالْغَائِبَ ، وَالْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ ، بِخِلافِ الْبَصَرِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُدْرِكُ بَعْضَ الْمُشَاهَدَاتِ ، وَالسَّمْعُ يَسْمَعُ كُلَّ عِلْمٍ ، فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الآخَرِ .

وَلَوْ فَرَضْنَا شَخْصَيْنِ أَحَدُهُمَا يَسْمَعُ كَلامَ الرَّسُولِ وَلا يَرَى شَخْصَهُ ، وَالآخَرُ بَصِيرٌ يَرَاهُ وَلا يَسْمَعُ كَلامَهُ لِصَمَمِهِ هَلْ كَانَا سَوَاءً ؟ وَأَيْضًا فَفَاقِدُ الْبَصَرِ إنَّمَا يَفْقِدُ إدْرَاكَ بَعْضِ الأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ الْمُشَاهَدَةِ وَيُمْكِنُهُ مَعْرِفَتُهَا بِالصِّفَةِ وَلَوْ تَقْرِيبًا بِخِلافِ فَاقِدِ السَّمْعِ ، فَإِنَّ الَّذِي فَاتَهُ مِنْ الْعِلْمِ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ وَلا قَرِيبًا مِنْهُ .

وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْكُفَّارَ بِعَدَمِ السَّمْعِ فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرَ مِنْ ذَمِّهِ لَهُمْ بِعَدَمِ الْبَصَرِ ، بَلْ إنَّمَا يَذُمُّهُمْ بِعَدَمِ الْبَصَرِ تَبَعًا لِعَدَمِ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ .

وَأَيْضًا الَّذِي يُورِدُهُ السَّمْعُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ الْعُلُومِ لا يَلْحَقُهُ فِيهِ كَلالٌ وَلا سَآمَةٌ وَلا تَعَبٌ مَعَ كَثْرَتِهِ وَعِظَمِهِ ، بِخِلافِ الَّذِي يُورِدُهُ الْبَصَرُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ فِيهِ الْكَلالُ وَالضَّعْفُ وَالنَّقْصُ ، وَرُبَّمَا خَشِيَ صَاحِبُهُ عَلَى ذَهَابِهِ مَعَ قِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى السَّمْعِ .

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَلْ الْبَصَرُ أَفْضَلُ ، فَإِنَّ أَعْلَى النَّعِيمِ لَذَّةً وَأَفْضَلَهُ مَنْزِلَةً النَّظَرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي دَارِ الآخِرَةِ ، وَهَذَا إنَّمَا يُنَالُ بِالْبَصَرِ ، وَهَذِهِ وَحْدَهَا كَافِيَةٌ فِي تَفْضِيلِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت