""""""صفحة رقم 58""""""
فِي مَجْلِسٍ فَأَعْجَبَهُ الْحَدِيثُ فَلْيَسْكُتْ ، وَإِذَا كَانَ سَاكِتًا فَأَعْجَبَهُ السُّكُوتُ فَلْيُحَدِّثْ .
قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا حَسَنٌ ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ سُكُوتُهُ وَحَدِيثُهُ بِمُخَالَفَةِ هَوَاهُ وَإِعْجَابِهِ بِنَفْسِهِ .
وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ جَدِيرًا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ إيَّاهُ وَتَسْدِيدِهِ فِي نُطْقِهِ وَسُكُوتِهِ ، لأَنَّ كَلامَهُ وَسُكُوتَهُ يَكُونُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَفِي مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ ( عَلامَةُ الطُّهْرِ أَنْ يَكُونَ قَلْبُ الْعَبْدِ عِنْدِي مُعَلَّقًا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَنْسَنِي عَلَى حَالٍ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ مَنَنْت عَلَيْهِ بِالاشْتِغَالِ بِي لا يَنْسَانِي ، فَإِذَا نَسِيَنِي حَرَّكْت قَلْبَهُ ، فَإِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ لِي وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ لِي ، فَذَلِكَ الَّذِي يَأْتِيهِ الْمَعُونَةُ مِنْ عِنْدِي ) رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ .
ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ: وَبِكُلِّ حَالٍ فَالْتِزَامُ الصَّمْتِ وَاعْتِقَادُهُ قُرْبَةً إمَّا مُطْلَقًا أَوْ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ كَالْحَجِّ وَالاعْتِكَافِ وَالصِّيَامِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) أَنَّهُ نَهَى عَنْ صِيَامِ الصَّمْتِ .
وَخَرَّجَ الإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) عَنْ الصَّمْتِ فِي الْعُكُوفِ .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) قَالَ ( لا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ ) .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه لامْرَأَةٍ حَجَّتْ مُصْمِتَةً: إنَّ هَذَا لا يَحِلُّ ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ رضي الله عنه وَعَنْ آبَائِهِ أَنَّهُ قَالَ: صَوْمُ الصَّمْتِ حَرَامٌ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
3 ( مطلب: أَيُّ الْجَارِحَتَيْنِ أَفْضَلُ اللِّسَانُ أَمْ الْعَيْنَانِ ) 3
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَيُّ الْجَارِحَتَيْنِ أَفْضَلُ اللِّسَانُ أَمْ الْعَيْنَانِ ؟ لا شَكَّ أَنَّ أَشْرَفَ مَا فِي الإِنْسَانِ مَحَلُّ الْعِلْمِ مِنْهُ وَهُوَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَلَمَّا كَانَ الْقَلْبُ هُوَ مَحَلُّ الْعِلْمِ ، وَالسَّمْعُ رَسُولُهُ الَّذِي يَأْتِي بِهِ ، وَالْعَيْنُ طَلِيعَتُهُ ، كَانَ مَلِكًا عَلَى سَائِرِ الأَعْضَاءِ يَأْمُرُهَا فَتَأْتَمِرُ بِأَمْرِهِ ، وَيَصْرِفُهَا فَتَنْقَادُ لَهُ طَائِعَةً بِمَا خُصَّ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ دُونَهَا ، فَلِذَلِكَ كَانَ مَلِكَهَا وَالْمُطَاعَ فِيهَا .
قَالَ الإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ: اللِّسَانُ أَحَدُ آيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ تُرْجُمَانُ مَلِكِ الأَعْضَاءِ يُبَيِّنُ عَنْهُ وَيُبَلِّغُ عَنْ مَقَاصِدِهِ وَمُرَادَاتِهِ ، فَجَعَلَهُ سُبْحَانَهُ تُرْجُمَانًا لِمَلِكِ الأَعْضَاءِ الَّذِي هُوَ الْقَلْبُ مُبَيِّنًا عَنْهُ ، كَمَا جَعَلَ الأُذُنَ رَسُولا مُؤَدِّيًا مُبَلِّغًا إلَيْهِ ، فَهِيَ