الصفحة 58 من 830

""""""صفحة رقم 61""""""

ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يُقَالَ: عَادِمُ الْبَصَرِ أَشَدُّهُمَا ضَرَرًا ، وَأَسْلَمُهُمَا دِينًا وَأَحْمَدُهُمَا عَاقِبَةً .

وَعَادِمُ السَّمْعِ أَقَلُّهُمَا ضَرَرًا فِي دُنْيَاهُ ، وَأَجْهَلُهُمَا بِدِينِهِ ، وَأَسْوَأُ عَاقِبَةً ، فَإِنَّهُ إذَا عَدِمَ السَّمْعَ عَدِمَ الْمَوَاعِظَ وَالنَّصَائِحَ ، وَانْسَدَّتْ عَلَيْهِ أَبْوَابُ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ ، وَانْفَتَحَ لَهُ طُرُقُ الشَّهَوَاتِ الَّتِي يُدْرِكُهَا الْبَصَرُ ، وَلا يَنَالُهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَكُفُّهُ عَنْهَا .

فَضَرَرُهُ فِي دِينِهِ أَكْثَرُ ، وَضَرَرُ الأَعْمَى فِي دُنْيَاهُ أَكْثَرُ .

وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَطْرَشُ ، وَكَانَ فِيهِمْ جَمَاعَةٌ أَضِرَّاءُ ، وَقَلَّ أَنْ يَبْتَلِيَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ بِالطَّرَشِ ، وَيَبْتَلِي كَثِيرًا مِنْهُمْ بِالْعَمَى .

فَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَمَضَرَّةُ الطَّرَشِ فِي الدِّينِ ، وَمَضَرَّةُ الْعَمَى فِي الدُّنْيَا ، وَالْمُعَافَى مَنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْهُمَا وَمَتَّعَهُ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ ، وَجَعَلَهُ الْوَارِثَ مِنْهُ .

انْتَهَى .

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَلْبَ أَفْضَلُ الْجَوَارِحِ ، إذْ هُوَ الْمَلِكُ ، ثُمَّ اللِّسَانَ ، ثُمَّ السَّمْعَ لِسَعَةِ إدْرَاكِهِ ، ثُمَّ الْبَصَرُ عَلَى اخْتِلافٍ فِي الأَخِيرَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا .

وَأَمَّا الأَوَّلانِ فَلا خِلافَ فِيهِمَا فِيمَا عَلِمْنَا .

وَلِذَا يُلْحَقُ مَنْ عَدِمَ الْبَيَانَيْنِ بَيَانَ اللِّسَانِ وَبَيَانَ الْجِنَانِ بِالْحَيَوَانَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ ، بَلْ هِيَ أَحْسَنُ حَالا مِنْهُ ، وَإِنْ عَدِمَ بَيَانَ اللِّسَانِ وَحْدَهُ عَدِمِ خَاصِّيَّةَ الإِنْسَانِ وَهِيَ النُّطْقُ وَاشْتَدَّتْ الْمُؤْنَةُ بِهِ وَعَلَيْهِ ، وَعَظُمَتْ حَسْرَتُهُ فَطَالَ تَأَسُّفُهُ عَلَى رَدِّ الْجَوَابِ وَرَجْعِ الْخِطَابِ ، فَهُوَ كَالْمُقْعَدِ الَّذِي يَرَى مَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَلا تَمْتَدُّ يَدُهُ إلَيْهِ .

فَجَلَّ شَأْنُ اللَّهِ كَمْ لَهُ مِنْ نِعْمَةٍ عَلَى عِبَادِهِ سَابِغَةٍ فِي هَذِهِ الأَعْضَاءِ وَالْقُوَى وَالْمَنَافِعِ ، فَحِكْمَتُهُ سُبْحَانَهُ بَالِغَةٌ .

وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ شَرِيفَةٌ قَلَّ أَنْ تَعْثُرَ عَلَيْهَا فِي كِتَابٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

3 ( مطلب هل الملكان يكتبان كُلَّ مَا يَتَكَلَّمُهُ الإِنْسَانُ ) 3

( الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ) هَلْ الْمَلَكَانِ الْكَرِيمَانِ الْكَاتِبَانِ يَكْتُبَانِ كُلَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الإِنْسَانُ ، أَوْ لا يَكْتُبَانِ إلا مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ .

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، حَتَّى أَنَّهُ لَيَكْتُبُ قَوْلَ أَكَلْت وَشَرِبْت وَذَهَبْت وَجِئْت ، حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ عَرَضَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ فَأُقِرَّ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ وَأُلْغِيَ سَائِرُهُ ، فَذَلِكَ قوله تعالى

)يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ( وَقَدْ قَالَ تَعَالَى

)إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَقَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى أَنَّ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ ، وَاَلَّذِي عَنْ شِمَالِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ

وَفِي الصَّحِيحِ ( إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ وَالْمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت