""""""صفحة رقم 55""""""
وَكَانَ سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَأْخُذُ بِلِسَانِهِ وَيَقُولُ: هَذَا الَّذِي أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ .
فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ: مَهْ غَفَرَ اللَّهُ لَك ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ .
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: هَذَا أَوْرَدَنِي شَرَّ الْمَوَارِدِ .
إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) قَالَ: ( لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْجَسَدِ إلا يَشْكُو ذَرَبَ اللِّسَانِ عَلَى حِدَّتِهِ ) .
وَذَرَبُ اللِّسَانِ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ جَمِيعًا هُوَ حِدَّتُهُ وَشَرُّهُ وَفُحْشُهُ .
وَقَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ: رَأَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَخَذَ بِلِسَانِهِ وَهُوَ يَقُولُ وَيْحَك قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ أَوْ اُسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ ، وَإِلا فَاعْلَمْ أَنَّك سَتَنْدَمُ .
قَالَ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ لِمَ تَقُولُ هَذَا ؟ قَالَ إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ الإِنْسَانَ - أُرَاهُ قَالَ - لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ أَشَدَّ حَنَقًا أَوْ غَيْظًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْهُ عَلَى لِسَانِهِ إلا قَالَ بِهِ خَيْرًا أَوْ أَمْلَى بِهِ خَيْرًا .
وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ مَا عَلَى الأَرْضِ شَيْءٌ أَحْوَجُ إلَى طُولِ سَجْنٍ مِنْ لِسَانٍ .
وَقَالَ الْحَسَنُ: اللِّسَانُ أَمِيرُ الْبَدَنِ إذَا جَنَى عَلَى الأَعْضَاءِ شَيْئًا جَنَتْ ، وَإِذَا عَفَّ عَفَّتْ .
وَسُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ قَوْلِ لُقْمَانَ لابْنِهِ: إنْ كَانَ الْكَلامُ مِنْ فِضَّةٍ فَإِنَّ الصَّمْتَ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ لَوْ كَانَ الْكَلامُ بِطَاعَةِ اللَّهِ مِنْ فِضَّةٍ فَإِنَّ الصَّمْتَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ مِنْ ذَهَبٍ .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ ( لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ( صلى الله عليه وسلم ) أَبَا ذَرٍّ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ أَلا أَدُلُّك عَلَى خَصْلَتَيْنِ هُمَا خَفِيفَتَانِ عَلَى الظَّهْرِ وَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ غَيْرِهِمَا ؟ قَالَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ عَلَيْك بِحُسْنِ الْخُلُقِ ، وَطُولِ الصَّمْتِ ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَمِلَ الْخَلائِقُ بِمِثْلِهَا ) .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَأَبُو يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْلَمَ فَلْيَلْزَمْ الصَّمْتَ ) .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) يَقُولُ ( إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا: قِيلَ وَقَالَ ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ) .
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَوْ كُنْتُمْ تَشْتَرُونَ الْكَاغَدَ لِلْحَفَظَةِ لَمَسَكْتُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْكَلامِ .
وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: لِمَ لَزِمَتْ السُّكُوتَ ؟ قَالَ: إنِّي لَمْ أَنْدَمْ عَلَى السُّكُوتِ قَطُّ ، وَقَدْ نَدِمْت عَلَى الْكَلامِ مِرَارًا .
وَفِيمَا قِيلَ: جَرْحُ اللِّسَانِ كَجَرْحِ الْيَدِ .
وَقِيلَ: اللِّسَانُ كَلْبٌ عَقُورٌ ، إنْ خُلِّيَ عَنْهُ عَقَرَ .