حق الناشزة بمنع حظها في الصحبة بقوله تعالى: واهجروهن في المضاجع (3) · فذلك دليل على أنه تمنع كفايتها في النفقة بطريق الأولى؛ لأن الحظ في الصحبة لهما، وفي النفقة لها خاصة، ولأنها إنما تستوجب النفقة بتسليمها نفسها إلى الزوج، وتفريغها نفسها لمصالحه، فإذا امتنعت من ذلك صارت ظالمة، وقد فوتت ما كان يجب النفقة لها باعتباره، فلا نفقة لها، وقيل لشريح رحمه الله تعالى: هل للناشزة نفقة؟ فقال: نعم، فقيل: كم؟ قال: جراب من تراب، وإن رجعت الناشزة إلى بيت الزوج فنفقتها عليه؛ لأن المسقط لنفقتها نشوزها وقد زال ذلك، والأصل فيه قوله تعالى: فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا (1) ، (2) ·
قال ابن قدامة: المرأة الناشزة هي التي تعصي زوجها فيما له عليها مما أوجبه له النكاح، وأصله من الارتفاع، وهو المكان المرتفع، فكأن الناشز ارتفعت عن طاعة زوجها، فسميت ناشزًا، فمتى امتنعت من فراشه، أو خرجت من منزله بغير إذنه، أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها، أو من السفر معه، فلا نفقة لها في قول عامة أهل العلم، منهم الشعبي، وحماد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأبو ثور· وقال الحكم: لها النفقة · وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا خالف هؤلاء إلا الحكم، ولعله يحتج بأن نشوزها لا يسقط مهرها، فكذلك نفقتها ·
وقال ابن قدامة: ولنا أن النفقة إنما تجب في مقابلة تمكينها، بدليل أنها لا تجب قبل تسليمها إليه، وإذا منعها النفقة كان لها منعه التمكين، فإذا منعته التمكين كان له منعها من النفقة كما قبل الدخول · وتخالف المهر؛ فإنه يجب بمجرد العقد، ولذلك إذا مات أحدهما قبل الدخول وجب المهر دون النفقة · وإذا سقطت نفقة المرأة بنشوزها، فعادت عن النشوز والزوج حاضر، عادت نفقتها؛ لزوال المسقط لها، ووجود التمكين المقتضي لها، وإن كان غائبًا لم تعد نفقتها حتى يعود التسليم بحضوره، أو بحضور وكيله، أو حكم الحاكم بالوجوب إذا مضى زمن الإمكان؛ لأنها بنشوزها سقطت نفقتها بخروجها عن يده، وبمنعها له من التمكين المستحق عليها، ولا يزول ذلك إلا بعودتها إلى يده، وتمكينه منها، ولا يحصل ذلك في غيبته، ولذلك لو بذلت تسليم نفسها قبل دخوله بها في حالة غيبته، لم تستحق بمجرد البذل (1) ·
وقال الشربيني من الشافعية في مغني المحتاج: وتسقط النفقة بخروج الزوجة عن طاعة زوجها بعد التمكين؛ لأنها تجب بالتسليم فتسقط بالمنع؛ ولأن له عليها حق الحبس