الصفحة 3 من 92

ويشتهر هذا الإمام أيضًا بالنسبة إلى أحد وظائفه الدينية وهي القضاء، فيقال له القاضي الإمام أبو عبد الرحمن القاضي؛ حيث تولى قضاء في أكثر من مدينة إسلامية منها مصر، ومنها أيضًا حمص في بلاد الشام، وسوف نستفيد من توليه القضاء فائدة يأتي إن شاء الله ذكرها.

وكما تعرفون أن الرحلة في طلب علم الحديث سنة من سنن المحدثين بل هي سنة من سنن النبي عليه الصلاة والسلام؛ حيث أقرها ورضي عنها كما تعرفون في حديث ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر الذي وفد على النبي عليه الصلاة والسلام من بني سعد إلى المدينة ليسأله عن شرائع الدين، الحديث الذي في الصحيحين فاحتج أهل الحديث بهذا الحديث - حديث ضمام بن ثعلبة - على مشروعية واستحباب الرحلة في طلب العلم، وهذه السنة التي أقرها النبي عليه الصلاة والسلام أحياها وأكثر من عمل بها هم المحدثون عليهم رحمة الله، وكانت الرحلة في طلب العلم سمة المحدثين في العصور الغابرة، فلا تجد عالمًا من علماء الإسلام إلا وقد جاب بلدان الإسلام شرقها وغربها، وهي بلدان واسعة خاصة في تلك الفترة في طلب العلم وطلب الحديث، فلم يكن من المعقول أن يفوت هذا الإمام الجبل هذه السنة، بل بداية رحلته وزمن هذه البداية تدل على نهم شديد في طلب العلم، وعلى أنه كان عنده رغبة شديدة في طلب الحديث والرحلة فيه وطلب العلم؛ حيث رحل وله من العمر خمس عشرة سنة فقط، رحل عن بلده نسا، فلم يدخلها حتى مات، مات كما يأتي إن شاء الله على خلاف في مكة أو في بلاد الشام، رحلة طويلة جدًا، ومديدة لزمن طويل، لم يرجع بعد هذه الرحلة إلى بلده أبدًا.

فابتدأ هذه فالرحلة: سنة ثلاثين ومائتين من الهجرة، وفي الحقيقة فإن بدايته هذه تدل على أنه نشأ نشأة علمية حيث إن من آداب الرحلة في طلب الحديث التي نص عليها المحدثون أنه لا يحق لأحد أن يرحل في طلب العلم حتى يستوعب حديث أهل بلده، وحتى يستوعب شيوخ بلده، فيأخذ عنهم؛ لأنه ليس من الصحيح أن يرحل الإنسان في طلب العلم، والعلم الذي في بلده لم يتمكن منه ولم يحصل عليه، فلابد أن الإمام النسائي قد تأدب بهذا الأدب الذي نص عليه المحدثون، فلم يرحل إلا بعد أن استوعب شيوخ بلده، وحديثهم، وهذا يدل على نبوغ مبكر؛ شاب في بداية شبابه له من العمر خمس عشر سنة يبدأ الرحلة وقد استوعب شيوخ بلده، فلك أن تتصور كيف قضى بداية عمره وما هي درجة النبوغ والذكاء التي تميز بها هذا الإمام.

فرحل أول ما رحل إلى: بلدان خرسان وعواصم خرسان في ذلك الوقت مرو ونيسابور وغيرها من البلدان، وسمع بنيسابور من أحد الأئمة الكبار المشهورين جدًا وهو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المشهور بـ"إسحاق بن رَاهُوْيه"الإمام الجبل الحافظ الفقيه المشهور الذي كان له مذهب فقهي متبع لتقريبًا مائتين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت