إلا الدعاء والنصح باطنًا، وأكثر من يجتمع بالإمام ما يجي من أمر النصيحة له على بال، وبعضهم ما يحسن النصيحة ولا يعرف وجهها وبعضهم غرضه دنياه وهمته موقوفة عليها، وقد قال الله تعالى:
"بسم الله الرحمن الرحيم (( وَالْعَصْرِ {1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ {3} ) )ولا يسلم من الخسران إلا أهل العلم ومعرفته، وقبول الحق ومحبته والانقياد في طاعته، والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر على ذلك، ومن نقص في ذلك ناله الخسارة بحسب ذلك."
ولا يخفاك أن الله من عليكم بدين الإسلام في آخر هذا الزمان برجل واحد خالف فيه الأدنى والأقصى والقريب والبعيد لأنه قام في حال غربته لما اشتدت غربة الإسلام في جميع الأماكن والناس كلهم إلا من شاء الله لا يعرفون معنى لا إله إلا الله واشتد نكير الناس عليه العامة والمطاوعة وحذروا الملوك منه وشنعوا عليه في التوحيد الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه وخلق الجن والأنس له، وصار أقرب قريب له ابن معمر أمير بلاده لما عرف عداوة الناس له وأرخص له عن البلد، وصار رحمة ونعمة عظيمة لكم يا حمولة، وتلقاها جدك رحمه الله وأهلك وخواص وأعانهم الله على عداوة أهل الأرض في هذا الدين، ولا عندهم أموال يبذلونها، ولكن بذلوا نحورهم وأنفسهم
وأرخصوها لله في طلب رضاه والفوز بالجنة والنجاة من النار. ولا مقصد لهم إلا أن الناس يتركونهم يوحدون الله ولا يعارضونهم عند التوحيد، ولا حصل من الشيوخ بنجد وأتباعهم وضدهم في غاية القوة وهم في غاية الضعف والقلة، فأيدهم الله بدينه، وكل عدو يقصدهم يكسره الله وما زالوا كذلك حتى ملكهم الله جزيرة العرب بهذا الدين، وهم في تلك السنين معافيهم الله في أبدانهم حتى أن الأمراض العامة لا تعرف فيهم، ولهم سيرة أذكرها لك من غير مجازفة، دائمًا في كل وقت يبعثون الدعاة إلى الله إلى كل بلدة يجددون لهم دينهم ويسألونهم عن ثلاثة الأصول والقواعد وغير ذلك من كتب الأصول. أعرف منهم نحو العشرة منهم عبد الله فاضل، وعبد الرحمن بن ذهلان، وراشد بن درعان، وعثمان بن عبد الله بن عبيكان، وحمد بن قاسم، وأحمد الوهيبي، وسليمان بن ماجد، ومحمد بن سلطان وأولاده، وحسن عيدان ومحمد بن سويلم، وعبد العزيز بن سويلم، وعثمان العود، وعبد الرحمن بن نامي، وعبد الرحمن بن خريف وأمثال هؤلاء من لهم فقه في التوحيد ورغبة فيه" [1] ."
وكل واحد من هؤلاء يروح لجهة ومعه اثنان أو ثلاثة ويجلس في البلد قدر شهرين يسألهم ويعلمهم، والذي ما يعرف دينه يؤدب الأدب البليغ ما يعارض، فإذا أراد السفر استلحق أهل الدين من أهل البلد
وقال: سلموا على الكبار ويعرف الشيخ [2] وعبد العزيز [3] وإخوانهم بأحوالهم، ويقدمونهم في بلدهم بالأمر بالعروف والنهي عن المنكر، وبهذا صار للدين سلطان وعز، وهذا ما يفعلونه دائمًا مع الرعايا وصار الذي له دين يقوم بالدين ويأمر وينهى، والذي ما له دين يتزين عند أهل الدين
وأما حالهم في بلدهم الدرعية فبنوا مجمعًا حول المسجد البجيري [4] محله معروف إلى اليوم يسع له قدر مائتي رجل، وجعلوا فيه رفًا للنساء فإذا صلوا الصبح أقبلوا لهذا المجمع، وفيه معاميل وقهوة وما نابها، مقيوم به من بيت المال، وتارة يجلس فيه حسين بن الشيخ [5] ، وتارة عبد الله (5) تارة علي (6) ويقرؤون في نسخ التوحيد فإذا فرغ هذا الدرس، راحوا هم وغيرهم وجلسوا عند بيت الشيخ حتى يجئ عمك وجدك سعود وعياله، وآل عبد الله، ويدخلون عند الشيخ رحمهم الله فإذا تقهووا وذكر عمك رحمه الله للشيخ ما عنده من خبر و أمر يحتاج له الشيخ ذكره له وأخذ ما عنده من رأي ومن علم وأرخصوا للجماعة، وقرأ ثلاثة عبد العزيز بن الشيخ يقرأ في تفسير ابن كثير، وعلي وعبد الله يقرؤون في البخاري، وكل من عنده دراية وفهم إذا فاضوا في الباطن صاروا حلقًا يتذكرون درس الشيخ رحمه الله.
والأجنبي الذي يبغي يركب لديرته يصغي للمذاكرة عارف أن أهل
ديرته يسألون: أيش أيش درس الشيخ فيه، وقد ذكرت لك قصة إبراهيم بن زيد في تلك المدة، وموسى بن حجيلان يمشي على المساجد يسألهم عن ثلاثة الأصول والقواعد، ونحن يا حمولة [6] لنا مجلس بين العشاءين في الباطن يجتمعون فيه أهل البلاد ونسأل اثنين والذي ما يعرف دينه يضرب، فأول يجلس فيه حسين ثم علي بن الشيخ وجلست فيه مدة نحو سنتين أو ثلاث على هذا الترتيب، ثم حمد بن حسين، هذا بعض ما حضرناه من سيرتهم فلما توفى الله عمك حصل غفلة عن هذا الترتيب لما فتح الله الدنيا وكثرها على الناس ووقع الإعراض عن كثير مما ذكرنا لا
(1) بعض المذكورين من تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب مثل محمد بن سلطان وحسن عيدان ومحمد سويلم.
(2) الشيخ محمد بن عبد الوهاب
(3) عبد العزيز بن محمد بن سعود
(4) في الدرعية
(5) ، (5) ، (6) حسين وعبد الله وعلي أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب
(6) 1) أسرة آل الشيخ