الصفحة 29 من 42

2 -لن أبحث هنا بحثًا فلسفيًا عن الأخلاق وموازينها وأهدافها وغاياتها وإنما أريد أن أبحث حيث يكون الإتفاق عامًا، والقضايا لنصل إلى ما نريد دون عناء وإعنات.

أ- لا ينكر أحد أن أخلاق علمائنا -إلا من شاء الله منهم- وقادتنا ومفكرينا وأصحاب الأقلام منا في غاية السوء. فالصدق والشجاعة وهما دعاماتا الأخلاق كلها تكادان أن تكونا مفقودتين بين أولئك وبين عامة الشعب إلا أفراد قلة - يهمل حكمهم لقلتهم وندرتهم.

ب- ولا ينكر قيمة الأخلاق في ميزان الواقع إلا جاهل وأعني بذلك أن فائدة الأخلاق وقيمتها المادية قد تكون أكبر من المال والعلم والشهادة والخبرة. ومثال ذلك تاجر يملك مائة دينار وهو ذو خلق وتاجر يملك مائة دينار وهو خلو من الأخلاق الطيبة، في ميزان الواقع والمادة لو كانت خبرتهما بالتجارة سواء لربح الأول أضعاف ما يربح الثاني. ولأفاد مجتمعه أضعاف ما يفيده الثاني بل التاجر الخالي من الأخلاق قد يضر مجتمعه بالإحتكار والغش وغير ذلك.

وجندي ذو خلق أفضل في الميدان من مائة جندي بلا خلق فمن الأخلاق الشجاعة وهي مطلوبة في الميدان، ومن الأخلاق الأمانة. وإذا لم يكن الجندي أمينًا فهو عدو. ومن الأخلاق الإيثار والتضحية ولا ينتصر جيش إلا بإيثار وتضحية، وأما جيش يحرص كل فرد فيه على حياة نفسه، فإنه لا يذوق طعم النصر.

وعالم ذو خلق سيكون تأثيره في مجتمعه أضعاف أمثاله الخائفين المماثلين المنافقين بل إن أولئك وإن حملوا العلم وحفظوا المسائل هم دعاة إلى الشر صادون بفعلهم وقولهم وسيرتهم عن سبيل الله.

وحاكم ذو خلق - هو رحمة الله في الأرض ولا أقول هو خير من حكام غيره ليس عندهم أخلاق بل الحاكم إذا عري عن الصدق والشجاعة والأمانة والرحمة فلن يكون إلا ذئبًا جائعًا مسلطًا على رقاب الناس وأعراضهم. وأظن بعد ضربي لهذه الأمثلة أنه لا ينكر فضل الأخلاق - إلا جاهل غبي ورحم الله شوقي إذ يقول:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وإن من الشعر لحكمة!! فأمتنا ذهبت يوم ذهبت أخلاقها. ولن تعود للحياة إلا يوم تعود هذه الأخلاق التي جعلت منا أمة في السابق.

3 -قد يقال إننا في حاجة إلى علم وتقدم مادي وسلاح وخبرة ولا ننكر هذا ولكنه دون سعي إلى بناء أخلاقي فإنه ضائع ذاهب، فنظرة واحدة إلى طبيب قد كفلت له المقدرات المادية. والمقدرة العلمية الطيبة وهو عار من الأخلاق سترينا كيف تهدر نقودنا هباء، ويعود مرضانا بعلل أكبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت