والإفتاء بحديث ضعيف يحسبه المجتهد صحيحًا وهو غير ذلك. وتفاوت النظر في استنباط العلة، وعدم التوفيق في الجمع بين حديثين ظهر منهما التعارض، وعدم العلم بالناسخ والمنسوخ .. الخ.
هذه الأسباب جميعها وغيرها كثير تجعل الحكم في المسألة الواحدة مختلفًا. وهذه الأسباب وغيرها هي التي من أجلها ظهر التفاوت والخلاف في فتاوى المفتين، واجتهادات المجتهدين. وكثير من هذه الأسباب أصبح القضاء عليه سهلًا ميسورًا بعد حركة الطبع والفهرسة والتنظيم للتراث الإسلامي والتي أصبح بواسطتها الاطلاع على مجموع الأحاديث المتفرقة في المسألة الواحدة، وكذلك الاطلاع على آراء المفتين وفتاواهم. ولا شك أن كثيرًا من الآراء والفتاوى القديمة التي كانت تخالف الكتاب والسنة أصبحت مهملة الآن بفضل الاطلاع الجيد لعموم الناس على كتب الحديث والفقه. ولولا التعصب المشين الذي ظل عليه بعض المتفقهة والمتأكلين بالدين لكانت وحدة التشريع -وعلى الأقل في أمر العبادة- حقيقة قائمة بالفعل.
ب- وإذا كان الخلاف قديمًا بأسبابه التي ذكرنا بعضها آنفًا خلافًا معقولًا ومقبولًا. فإن استمرار هذا الخلاف في أمور وضح فيها الحديث الصحيح، والفهم السليم للقرآن من غيره يصبح خلافًا غير معقول ولا مقبول بل هو تعصب مذموم - يؤدي كثيرًا إلى تحريف كلام الله. ورد كلام رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا أمر خطير جدًا.
فلا عذر اليوم لعالم ينهى أتباعه عن قراءة الفاتحة في الصلاة السرية ولا عذر لإمام ينهى أتباعه عن وضع أيمانهم على شمائلهم في الصلاة، ولا لإمام يرى كراهية دعاء الاستفتاح والبسملة والاستعاذة في الصلاة، ولا عذر لعالم يفتي لأتباعه بجواز شرب قليل الخمر إذا لم تكن من غير العنب، ولا عذر لإمام يجيز لامرأة أن تتزوج بدون ولي مهما كانت شريفة، ولا لإمام أو عالم يسمح لامرأة أن تسافر مع غير محرم وقد وضحت الحجة في كل ذلك من الحديث الصحيح الصريح. محتجًا بأن كل هذه الفتاوى صدرت عن أئمة الفقه والاجتهاد!!
وليس معنى هذا أنه لن يكون هناك خلاف في أمور الشريعة إطلاقًا بل سيكون هناك خلاف ولكنه خلاف لا بد منه في أمور محددة نستطيع ضبطه أيضًا والقضاء عليه.
سيكون هناك خلاف في الحكم على ما يستجد من أمور في حياة الناس: أطعمة وأشربة جديدة. ومعاملات مستحدثة اختلط فيها الحرام بالحلال ويختلف فيها نظر المجتهدين. وسيكون الضابط في الوصول إلى الحق في هذه المسائل: الرجوع إلى الكتاب والسنة، وعقد مؤتمرات للعلماء العاملين وهو أمر ميسور في هذه الأيام. وتقدير المنافع والمضار وذلك ميسور في عصر تقدم فيه فن الإحصاء ومتابعة النتائج.