الصفحة 21 من 42

وسندنا في ذلك نهي الله عز وجل عن التفرق في الدين حيث يقول سبحانه وتعالى- {شرع لكم من الدين ما وصينا به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} (الشورى:13) وكذلك تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر الخلاف، وإنكاره عليه. حيث يقول: [اقرءوا القرآن ما اجتمعت عليه قلوبكم، فإذا اختلفت فقوموا] (رواه مسلم) . وفعل الصحابة من بعده حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل الصحابة في مسألة الغسل هل هو من لقاء الختانين أو الإنزال فيقول قوم بهذا وقوم بهذا، فيرسل إلى عائشة فتقول: قال رسول الله: [إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل] فيقول: والله لا يفتي أحد بغيره إلا جعلته نكالًا. أي لقد وضحت الحجة وظهر حكم الله في هذه المسألة بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لأحد -بعد- أن يفتي بخلاف ذلك.

ومن تتبع هذا الأمر وجد كيف عظَّم الله أمر الخلاف في الدين ولام أهله، وبين أنه عقوبة وهلاك، وعلم كيف عظم سلف هذه الأمة أمر الخلاف، وذموا أربابه. ويكفينا في هذا قوله سبحانه وتعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} والنهي عن التنازع هنا إنما هو حول أمر شرعي عمل وهو من شئون القتال. ولا شك أنه من فروع الدين. فالأمة لا يمكن أن تكون يدًا واحدة. وقلبًا واحدًا إلا إذا قضت على جميع أسباب الخلاف بينها.

1 -وهنا سنصل إلى هذا السؤال وهي كيف تقضي على الخلاف في أمر التشريع؟

وللإجابة على هذا السؤال لا بد أن نعرف أولًا أسباب هذا الخلاف، وهذه الأسباب تنقسم إلى قسمين:

أ- خلاف معقول لا بد منه، وهذا الخلاف بعضه قد وقع كثيرًا في الأمة، ولا بد أن يقع في أمور تستجد، ويجتهد لمعرفة أحكامها. وهنا لا بد من وضع ضوابط للقضاء على آثار هذا الإختلاف الذي يجب أن لا يتعدى الرأي والاجتهاد.

ب- وخلاف غير معقول، قد وقع في الأمة وقد ظهر لكل ذي عين سليمة أنه باطل، وهذا لا يجوز التمسك به، ولا حتى روايته، ويجب أن يدفن وينتهى منه ويصبح مقصورًا على دارسي تاريخ التشريع فقط.

3 -فأما الخلاف المعقول فأسبابه غير محصورة، ومن ذلك علم أحد المجتهدين بالحديث ... -الذي ينص على الحكم- وجهل الآخر به فيفتي برأيه، والاختلاف في فهم المعنى اللغوي، واطلاع أحدهم على وجه من وجوه الرواية في الحديث الواحد واطلاع الآخر على وجه آخر واطلاع ثالث على الوجهين، والاختلاف في تقدير السنة والبدعة، وعدم العلم بالمخصص،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت