واحد لصدق ما كتب عن عبدالله بن سبأ، ولو قرأ أيضًا عن تنظيمات اليهود السرية قديمًا وحديثًا لعرف كيف يستطيع رجل واحد أن يهدم أمة بكاملها. ولو قرأ شيئًا صالحًا عن النفس البشرية وكيف أن الشقاق أسرع إليها من سرعة النار إلى الهشيم لعلم أي محنة من الممكن أن تقع فيها أمة إذا بذرت بينها بذور صغيرة من الشحناء والبغضاء.
5 -ولم يقف أعداء الأمة عند حد في تمزيقها، بل داوموا هذا التمزيق والتشتيت منذ ذلك الوقت وحتى زماننا حتى أصبح للتمزيق قواعد وأصول يكاد الدهر أن يزول ولا تزول. أليس مما يقتل القلب كمدًا وحسرة أن يطلع المسلم على مقدار الهوة السحيقة بين مذاهب المسلمين العقدية حيث أن لكل مذهب أصوله وأركانه وفلسفته وتاريخه وبنيانه الذي ينهدم الزمان ولا ينهدم. وأليس مما يذهب النفس حسرة وراء حسرة أن نرى لكل مذهب من المذاهب الفقهية الفرعية عند أهل السنة وحدهم أصوله الخاصة التي ينبني عليها مئات بل آلاف الفرعيات التي تخالف ما عند الآخرين، وسيقول قائل جاهل - إن الخلاف في الفروع لا يضر، ولو اطلع لعلم أن آثار هذا الخلاف الفرعي الفقهي اليسير قد أضحت تشريعات مستقلة ومناهج منفصلة يكاد بها أن يكون كل مذهب شريعة مستقلة.
ولقد كان من آثار ذلك ترك العمل بالشريعة جملة وتفصيلًا ثم استيراد الشرائع الكافرة، ثم ضياع العقيدة الإسلامية بالتالي. وإنني بهذا البيان القصير لأطوي الحوادث طيًا، وأجملها إجمالًا وسيكون للتفصيل في هذا الأمر مجال آخر -إن شاء الله تعالى- والمهم الآن في هذا المقام هو أن نفتح الأعين على مقدار هذا الركام من الخلاف الذي لم يترك اثنين من أمتنا على قلب رجل واحد.
6 -ثم جاء بعد هذا كله العقائد (الأيدلوجيات) الوافدة من الأعداء فنقلت الأمة أو كادت عن عقيدتها، وقطعتها عن تاريخها، ثم أعملت فيها التمزيق والتشتيت، حتى انقسم أبناء الرجل الواحد، ولعن بعضهم بعضًا بل وقتل بعضهم بعضًا، ناهيك عن أبناء البلد الواحد والوطن الواحد. وبذلك أصبحنا مضرب المثل في التفرق والتمزق والضياع.
7 -وبهذا كانت الهزيمة أو الهزائم المتكررة أثرًا لازمًا لهذا التفكك والخلاف والتمزق. وهذا سبب ثان رئيسي يضاف إلى السبب الأول الآنف وهو فقد العقيدة الواضحة النيرة الواحدة التي توحد الغاية وتجمع الصفوف.
وبهذا نصل إلى السؤال الآتي: كيف ونحن على هذا الحال - نستطيع أن نبعث الأمة من جديد؟
وقد خصصت -بمشيئة الله- الباب الآتي للإجابة على هذا السؤال ..