الصفحة 13 من 42

إن الخلاف والشقاق أسرع انتشارًا في النفوس من النار في الحطب، فإن عَزَّ الماء أتت النار على كل شيء، ولذلك يستطيع الفرد الواحد من الأعداء أن يأتي على أمة بأكملها شقاقًا، وتفريقًا وتمزيقًا. وأما العقائد فلا لأن إخراجها من النفوس يحتاج إلى أجيال متطاولة، حتى لو كانت العقيدة باطلة!! فكيف بعقيدة الإسلام القوية الساطعة النيرة!!

وهذا الذي كان من أمر تمزيق الأمة وإذهاب عقيدتها لقد استطاعت قوى الشر أن تبذر بذور الشقاق في الأمة وأن تثمر هذه البذور في أقل من خمس وعشرين سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم (أشد ثمارها مرارة) حيث قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه. وهذا ما حذر منه صلى الله عليه وسلم حيث قال بعد أن أرسى قواعد العقيدة: [إن الشيطان يئس أن يعبد بأرضكم هذه! ولكنه قنع بالتحريش بينكم] ويا لها من قناعة شيطانية. لقد علم الشيطان أن العقيدة لن تزول سريعًا وخاصة من الذين تلقوا الوحي غضًا طريًا، وعاينوا الآيات على صدق الرسول عيانًا، ولكنه قنع بما يستطيعه -في هذه الأمة- من الشر وهو التحريش بينهم. (ويا له من تحريش!!) بلغ من فظاعة آثاره تلك الحروب الطويلة القاسية التي طحنت كثيرًا من أصحابه صلى الله عليه وسلم! والتي تقشعر أبداننا اليوم ونحن نطالعها. والذي سيطالعها بعين الحق والنزاهة وترك التعصب والجهل سيعلم أن هناك يدًا خفية كانت تشعل الفتنة من وراء ستار، وتشفي قلوبها الجريحة الحاقدة وهي ترى آثار الدماء التي تخلفها هذه الفتنة.

والقارئ لسيرة اليهودي (عبدالله بن سبأ) الذي ادعى الإسلام بعد مقتل عمر بن الخطاب وحضر المدينة من اليمن سيعلم أن بذور الشر التي غرسها في أهل الحج من المصريين والعراقيين وأهل الشام البعيدين عن دار الخلافة. قد آتت ثمارها بمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه بحجة عجيبة وهي: الغيرة على خلافة الإسلام أن تنحرف وأن تخالف سنة الشيخين أبي بكر وعمر وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولست في هذه الرسالة مؤرخًا ولكني فقط أحب أن أضع يد قومي وأبناء أمتي في وقتنا الحاضر على موطن الداء من علتهم المزمنة (الفرقة) حتى يتبينوا طريق خلاصهم. ولقائل أن يقول: لقد خالف عثمان شيئًا من سنة سابقيه. وأقول مهما كانت هذه المخالفة فإن عقوبتها لا يجوز بتاتًا أن تكون قتلًا لهذا الخليفة الراشد رضي الله عنه، ويا له من قتل غادر يدعي فيها المجرم أنه بذلك يحافظ على نظافة الخلافة!!

وإن تعجب من شيء فليكن عجبك أشد من أستاذ للتاريخ بإحدى جامعاتنا يشكك في وجود رجل اسمه (عبدالله بن سبأ) يزعم أن هذه شخصية أسطورية لا يمكن لرجل أن يصنع كصنيعه، ولو علم هذا المسكين الذي يدرس لأبنائنا التاريخ الإسلامي أن أممًا انهارت بكاملها بفعل جاسوس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت