الصفحة 12 من 42

الباب الثالث

أسباب الهزيمة في الوقت الحاضر

1 -سنعجب جدًا عندما نرى أن هذا الغثاء من المسلمين، الذين ضربوا أبشع الأمثلة في الهزيمة، والخزي والعار، هم من سلالة أولئك الفاتحين، وهم وارثوا هذا التاريخ المجيد المشرف. وهنا يبرز أمامنا هذا السؤال: كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ وما هي أسباب هذه الهزيمة؟

2 -وللإجابة على هذا السؤال أقول: لقد كانت الهزيمة نتيجة حتمية لنقض سببي النصر، وهذا أمر منطقي، فإن الأمة انتصرت بأسباب، وغياب هذه الأسباب لا شك أنه يؤدي إلى غياب النصر. وباختصار: لقد فقدت الأمة عقيدتها الدافعة، وأخوتها ووحدتها. وهذا ماثل أمامك تمامًا، فحب الدنيا وكراهية الموت والبخل بالمال والشح أصبح صفة غالبة على الناس (المسلمين) في زماننا. وليس بين أمة في الأرض (الآن) من التمزق والتشتت ما بين أمتنا ... -للأسف- فكيف يكتب النصر لأمة هذه حالها: حب للحياة، وبخل ببذل المال، وفرقة وشتات وخلاف.

3 -وكل الأسباب التي ستذكر بعد هذين السببين إنما هي نتائج لهذين السببين: فالضعف، والجهل، والتردي الخلقي والجبن كل ذلك كان نتيجة لذهاب العقيدة الدامغة، والأخوة الموحدة الضامة المؤلفة.

4 -وحتى يكون هذا الأمر جليًا واضحًا أقول: لقد أدرك أعداء هذه الأمة قديمًا سر قوتها، ومنعتها وأنه ذلك العهد الذي بايعت ربها عليه، وأنه ذلك الإخاء البديع والنظام المحكم الذي تآلفت عليه. فجعلت غايتها: أن تفرط هذا النظام أولًا ثم تقطع هذه الصلة بين الله والأمة - ثانيًا .. أما لماذا اختارت فرط النظام أولًا ثم بعد ذلك إضعاف العقيدة، فلأن فرط النظام وإذهاب الإخوة أيسر منالًا من إضعاف العقيدة، فالعقيدة تغرس في القلب، وتكتسب ببطء شديد وممارسة طويلة، وأما التفريق فإنه ينبعث سريعًا بقليل من الشرر وقليل من الخلاف.

ألم تر كيف كاد الأنصار من الأوس والخزرج أن يقتتلوا عندما ذكر اليهودي أمامهم شعرًا من شعر جاهليتهم وحروبهم في (بعاث) وألم تر كيف كاد المهاجرون والأنصار أن يقتتلوا في إحدى الغزوات على سقاية بعض الماء، وألم تر كيف كادوا أن يقتتلوا أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخطب طالبًا منهم أن يكفوا عنه شر عبدالله بن أبي الذي آذى رسول الله بسبب زوجته، وألم تر كيف تخاصم عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق يومًا في حياة الرسول حتى أنه غضب وقال: [أما أنتم بتاركي لي صاحبي] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت