8 -لا شك أنه كانت هناك أسباب أخرى لانتصار المسلمين كتعلمهم فنون أعدائهم في القتال، ولكن هذا السبب وغيره من الأسباب الصحيحة إنما كان نتيجة للسببين السابقين، وأكرر القول أن الأمة التي تتكون على ذلك النحو لا يعجزها شيء مما قدر للبشر أن يبلغوه: لا يعوزها علم، ولا قوة، ولا سلاح، ولا خبرة لأنها بذاتها ستوجد ذلك وفي أسرع وقت ممكن، وتفعل العصا في يد أحدهم ما لا يفعل السيف في يد غيرهم.
9 -ولا أنكر بعد أن قوة الله وإمداده كانت فوق ذلك، ولكن هل العقيدة الصحيحة في القلب المؤمن إلا قوة من قوة الله لا تقهر ولا تغلب، هل العقيدة السليمة إلا لقاء وموالاة بين البشر والملائكة والشمس والأرض. لقد نزلت الملائكة في حروب المسلمين لأن هناك التقاء على عقيدة واحدة؛ قال تعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} لقد استغفروا لارتباطهم بالمؤمنين برابطة الإيمان، والحب في الله، والشمس وقفت للعبد المؤمن يوشع لأنها مأمورة وهو مأمور، وقد وقع لكثير من الصحابة في فتوحاتهم شيء يشبه هذا، وسيقع هذا مع المؤمنين عندما يفتحون فلسطين ويستردونها من أيدي اليهود: [لتقاتلن اليهود حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم، يا عبدالله، هذا يهودي ورائي فاقتله] ، وما زال كثير من هذا يقع لكثير من المؤمنين في حروبهم.
إن العقيدة في الله قوة لا تعدلها قوة لأنها تستمد قوتها من خالق السموات والأرض سبحانه وتعالى.
10 -وأرجو أن أكون بهذا قد بينت الأسباب الحقيقية لانتصار المسلمين في صدر الإسلام وبعده، والذي يريد تفصيلًا لهذا فليقرأ التاريخ الذي سطرته أيدي المسلمين، أو الكفار المنصفين وسيرى مصداق ما قلت، ولتقرأ أولًا كتاب الله ولننظر أي قوة غرسها هذا الكتاب في صدور أتباعه، وأي نظام وضع لهم، وأي أخوة ومحبة سجلها وكتبها لتلك الطائفة الطيبة التي عاشت والقرآن ينزل.