""""""صفحة رقم 34""""""
يعلمه بها في الحال وأصر على قتله وأمر خدمة بذلك حين دخوله من الباب .
فلما وصل الطلب إلى محمد علي جزم بداهة بأن هذا الإستدعاء لم يكن إلا
للإيقاع به ، فتحير في أمره وعلم أنه إن لم يجب طلب الوالى عدّ ذلك عصيانًا
وإن امتثل وذهب كان في ذهابه ذهاب حياته ، فبعد التروّى في ذلك ظهر له
أرجحية عدم التوجه وآثر نسبة العصيان إليه على قتله وبات ليلته يترقب ما
يبدو له وقت الصباح .
فساعده الحظ الأوفر بقيام الجند على خسرو باشا ومأمور ماليته ( خزنة دار )
لعدم صرف مرتباتهم وكان هذا ناشئًا عن عدم تحصيل الخراج لإستيلاء المماليك
على الوجه القبلي وجزء عظيم من الوجه البحري بحيث لم يكن في حوزة الوالي
إلا القاهرة وثغر الإسكندرية وما بينهما من القرى والبلدان .
ثم إن خسرو باشا أمر بإطلاق المدافع على الثائرين حتى خرب جزأ عظيمًا
من القاهرة ، ولما علم أركان حرب الوالي المدعو طاهر باشا بذلك نزل من
القلعة ليتوسط بين الفريقين ، فاتهمه الوالي بالإتحاد مع العصاة فاغتاظ طاهر باشا
ومال مع الجند وحارب الوالي إلى أن ألزمه بالفرار إلى المنصورة ثم انتقل إلى
دمياط وتحصن بها فاتخذ طاهر باشا هربه فرصة للحصول على الولاية ، وجمع
أعيان البلد وعلماءها وطلب منها أن يختاروه واليًا على مصر حتى يعين الباب
العالي خلفًا لخسرو باشا ، فأقره المجلس على ذلك ، لكنه لم يلبث الجند أن عصاه
خصوصًا الإنكشارية لعدم صرفه مرتباتهم وصرف مرتبات الأرنؤد ليس إلا ،
فحاصروه في سرايه في يوم 25 مايو سنة 1803 وأرسلو إليه اثنين من أغواتهم
ليرفعا إليه شكواهم فلم يستعمل السياسة معهما ، بل نهرهما على عصيانهما
وطلب منهما أن يكونا مطيعين لأوامره فلم يرضيا بذلك واشتد الأمر بينه
وبينهما إلى أن جردّ أحدهما سيفه وحز رأسه وألقاها من النافذة وكانت مدة
ولايته ستا وعشرين يومًا .