والحصيلة التي تمخضت عنها هذه الحركة العلمية تدوين تراث علمي يزخر بمختلف ابعاده واتجاهاته.
وقد اتسم منهج التحصيل والتدوين في تلك الاعصار بالموسوعية في البحث، وعرف جيل من الاعلام بالموسوعين، كما عرفت جملة من مدوناتهم بالموسوعات او دوائر المعارف، اعتمدوا في تاليفها منهجا خاصا.
بيد ان هذا المنهج ضعف في القرون التي اعقبت ذلك - ولعل القرن الرابع الهجري اول القرون التي ظهرت فيها آيات ذلك - لاسباب سنلمح اليها، واكتسب العلم طابعا جديدا في التدوين والتحصيل ينحو باتجاه التخصص وحصر دوائر البحث بدلا عن الموسوعية والاستيعاب.
وقد لو حظ على كلا المنهجين في تراثنا امران مهمان:
الاول: غياب الضابطة او المنهجية في البحث، ويتجسد هذا في تشتت الموضوع الواحد في مواطن كثيرة من البحث بمناسبة او بدونها الامر الذي يصعب معه على الباحث استقصاؤها لتكوين تصور كامل عن الموضوع وحدوده، هذا اذا كان الباحث من اهل الممارسة في تلك العلوم، واما لو يكن من اهلها فان الالمام باطراف البحث يعد من المحالات بالنسبة اليه. يضاف الى ذلك كثرة البحوث الاستطرادية التي لا طائل تحتها مما يشغل الباحث ويصرفه عن المهم من غرضه.
الثاني: صعوبة اللغة الحاكمة على كتب التراث، حيث يحيطها في كثير من الاحيان التعقيد والاغلاق في البيان مما يجعل على علومها في بعض الحالات اقفالا لا يملك مفاتحها الا ذوو الاختصاص والدربة. الامر الذي يجعل الافادة من تلك المعارف والعلوم محصورا في اطار خاص. واما القطاع العام من متوسطي الثقافة بل وحتى الراقين فيها فهم محجوبون عن ذلك.
وبالطبع فان ثمة عوامل موضوعية كانت تدعو السلف للكتابة بمثل هذا الاسلوب الذي يهتم - او ربما يبالغ - في التانق في تنضيد العبائر وسبكها باسلوب علمي رصين.