بسم الله الرحمن الرحيم
(أبو نصر)
عودٌ زادَهُ الإحراق طيبًا، وأَسَدٌ سُمِعَ زئيرُهُ في ساحاتِ الوغى، وتقيٌّ عُرِفَ ثباتُهُ عندَ تلاطُم المحن، يبتسمُ عند البلايا ويضحكُ إذا وطئتهُ بأظفارها، عابدٌ عارفٌ بربّه، شُجاعٌ مغوارٌ لا يعرفُ الخوفَ ولا الخوف يعرفُهُ، لبيبٌ عبقريٌّ حكيمٌ، قياديٌ إداريٌّ منظّم.
وما زلتُ أذكرُ تلكَ الابتسامة السّاحرة الّتي تعلو وجههُ وهو يدخلُ عليّ يرتدي طاقيةً بيضاءَ وعليهِ معطفٌ طويلٌ يحتضنُ رشّاشه، تنسابُ الكلماتُ من فمهِ كالماء البارد من فم السّقّاء في يوم حارّ، فتقعُ على نفسي وقلبي وَقْعَ السِّحْر، فينتابني العجب: أينَ كانَ؟ ومتى ظهرَ نجمهُ؟ ومن هو؟.
هو صيدليّ مصريّ، مِنْ إحدى قرى صعيد مصر، أنهى دراسته في كليّة طبّ الصّيدلة، وكان قبلها وبعدها يجلسُ القرفصاء أمامَ العلماء يشربُ بشغفٍ من عيونِ التّوحيد، فيزدادُ نقاوةً ونضارةً وترتسمُ على وجههِ الحيرةُ والأسى على حالِهِ قائلًا: إذن لا بُدّ من الجهادِ ولا طريق غيرُهُ، فطواغيتُ الأرضِ تجبّرت وعنادهُم فاقَ فرعون وهامان، وكُفْرهُم يبرأُ منه إبليس، وكثيرًا ما كانت العيونُ تدمعُ والنّحيب يعلو على نفسهِ: أينَ أنا؟ وماذا قدّمتُ؟ وماذا يمكنني أن أفعل؟.
سافرَ إلى أرضِ الجزيرة وهناكَ عملَ طبيبًا صيدليًّا ثمّ تزوّج من ابنة أَحَد رموز الحركة الجهاديّة قديمًا ورُزِقَ منها بطفلين، وهو طوالَ هذه الفترة يبحثُ عن الجهادِ وأهلِهِ، فقد سئمَ جلساتُ الحوار السّاخنة الّتي كانت تُقامُ في بيتِ عمّه عن الجهادِ وعيوبِ