الرّاحة، يُلقي بنفسه بين أحضان الموت لعلّه يُرْزَقُ الشهادة، وفي كلّ مرّة كان يعود سالمًا باكيًا أنه بعدُ حيًّا، وقد شارك في أهمّ عمليات الإخوة في العراق، شارك في عملية السجن أبو غريب الثالثة"غزوة أبي أنس الشامي"، وكان أبو رضوان أوّل من وصل إلى سور السّجن هو وأبو عبد الرحمن اليمني وصعدا السّور وكبّرا عليه، وفجّرا بابًا فرعيًا كان مقرّرًا الدّخول منه، إلا أنهما فُوجِئَا بساتر ترابي خلف الباب.
و شارك في عملية سجن مكافحة الإرهاب، وكان أحد الشّخصين الوحيدين اللّذين نفّذا المرحلة الأخيرة من العملية، حيث دخل إلى باحة السِّجن وحاول أن يفكّ أسر إخوانه، وشارك في عمليّة حيّ الرسالة ضد مركز الشّرطة وكان له اليد الطولى فيها.
و ما زال يتقلّب مع إخوانه من معركةٍ إلى أخرى حتى جاء ميعاد آخر غزوة في بغداد في الخامس من شهر رمضان، ثم تمّ تأجيل الغزوة لسبب أمنيّ على أن نعود إليها في اليوم الثاني، وذهب الجميع ضاحكين إلا أبي رضوان خلا بنفسه في ناحية البيت وأخذ يبكي بكاءا ً حارًا، جاء إليه أحد إخوانه قائلًا: ما بك؟، قال: والله ما رجعنا اليوم إلا لذنوبنا، الذّنوب هي السّبب، لا الأمن ولا الطّريق، مَنْ لزوجة الشّيخ"أبي عزام"؟ ... إذا لم نأخذ أسرى .. لن يُطْلِقُوها .. مَنْ للنّساء .. ؟ مَنْ .. مَنْ؟ ثم انخرط في بكاءٍ حار.
وبعد أن هدأَ جئتُ إليه وقد عرفتُ بالأمر، إلا أنّه كان قد ذهب ما به وبدا طبيعيا ثم استقبلني بابتسامةٍ ساحرةٍ وأخذني بالأحضان وحاول تقبيل رأسي وحاولت منعه، ثم ودّعتُهُ وانصرفت، وأنا في حيرة من أمري، أحقًّا اقترب موعد أبي رضوان، فقد بدا عليه سيما الشّهداء، وليس هذا دَجَلٌ وسِحْر، فقد عرفنا هذا الأمر بالتّمرس وكما سبق أن قلت، يبدو الأخ جميلًا أكثر من المعتاد، نفسه طيبة، وعلى الجملة يبدو"مخبتًا".. ، و في نفس اليوم رأى فيه أبو زياد رؤيا:
"رأى أنّ أبا رضوان يلبس ثيابًا بيضاء جميلة جدًا، ورآه يُقبل عليه والنّور يشعّ من كل شيء فيه، ثم نادى على أبا زياد قائلًا: تعال .. الشّجر هنا تخرج منه رائحة المسك، وكان أبو أسامة أيضًا في نفس اليوم قد رأى رؤيا، قال أبو أسامة:"رأيت كأنّي أنظر إلى السّماء، فإذا بها مفتوحة، فقال أبو رضوان ممكن نفوت (أي نمرّ إلى السماء) ؟. قال أبو أسامة: لا ذنوبي كثيرة .. قال أبو رضوان:"لا، نقدر نفوت، بإذن الله الأمر سهلًا".
وفي اليوم التّالي المقرّر للغزوة، وبينما كان الإخوة يهمّون بالرّحيل جاء الإخوة يُودّعون بعضهم قبل الغزوة، فعانق أبو سمير صاحبه أبي رضوان، فنزع أبو رضوان ساعته وأعطاها لأبي سمير قائلًا .. خذ هذه تذكرني بها فإني لن أعود في يومي هذا، فضحك أبو أسامة وقال: يا رجل إن شاء الله تعود سالما آمنًا ..
قال أبو رضوان: صَدّق .. لن أعود، والله لن أعود، واستغرب صاحبه إصرار الرّجل فهو الذي لا يعرف المزاح والكذب، ومضى الرّجل إلى غزوته، وعلى إحدى سيطرات مغاوير الداخلية والمكونة في معظم أفرادها من"فيلق الغدر بدر"سدّد أبو رضوان قاذفته إلى سيّارة من سيّارات الدّورية ثم رمى بقذيفتين على بُعْد مئة متر. ثم رمى بالقاذفة في السّيّارة وأخذ الكلاشنكوف وانطلقَ يعدو تجاه الهدف وسط استغراب الجميع، حتى وصل إلى سيّارة المغاوير وأخذ يُطلق في الرّأس لكل طاغية ثم أخذ يَصْلي (طلقات سريعة) مَنْ تبقّى بالسّيّارة المجاورة، فلما انتهى عتاده، عاد مسرعًا إلى إخوانه وأخذ من احدهم الـ B.K.C وراح يعدو مرّة أخرى تجاه الهدف.
وهنا جاءته رصاصة في رأسه سقطَ مباشرة على إثرها شهيدًا، فحمله أخوه أبو زياد وضمّه إلى صدرهِ ونطلق يعدو به نحو سيّارة الإخوة وعاونه أصحابه، ثم انصرفوا بعدما قضوا على عدوّهم ومعهم عريس قد زُفّ إلى عروسه.
تُرى يا أخواني ماذا رأى أبو رضوان حتى يُصِرّ أنّه لن يعود؟، وتُرى ماذا فعلَ لكي يراه اثنين من إخوانه في هذه الحالة الحسنة؟ .. هل هو الجهاد فحسب؟ .. أم أنّه