أبو رضوان التونسي
ها قد رجعتُ لتوّي أخطُّ بِرِجْلي الأرضَ والعَبْرَةُ تملأُ عينيَّ والحيرةُ تملأُ قلبي، أعودُ بعدما وقفتُ على سيّارة كيّا بيك آب يمتدُّ بطولِها شابٌّ وسيْم في نومٍ أَبَديّ هادئ وأحاطَ به عددٌ من إخواني وإخوانه وقوفًا، إلا أبا زياد جالسٌ بجانِبِه يضحكُ ثم يَبْكي، يُمْسِكُ بوجه أخيه وحبيبِه ورفيقِ دَرْبه حتّى الممات"أبي رضوان"قائلًا: مع السّلامة، فُزْتَ يا حبيبي ثمّ تدخله حاله أشبهُ بالهستيريا قائلًا: هيه .. هيه مع السّلامة ويضحك ثم يبكي حتى أبكى جميعَ من حولِه.
وقال أبو أسامة وهو واقفٌ على راسِه: كان وجهه قبل الذّهاب للعمليّة كالقمر وأشهدُ أنّه كانَ أشجعُ من رأيت، فقلتُ في نفسي: وأنا أشهد، ثم قال أبو سمير"صاحبه": أشهدُ أنّك كُنْتَ تقاتل لتموتَ وتُرْزَق الشّهادة وقد نِلْتَهَا يا حبيبي.
ثمّ قالَ ثالث: والله ما كان فينا أشجعُ منك ففي يوم كذا فعلتَ كذا وكذا وكذا ....
وقال رابع: أشهدُ أنّك ما أردتَ يومًا ما إمرةً ولا سمعةً وكنتَ دومًا محبًا لإخوانك مخلصًا صادقًا ...
كلُّ هذا وأنا أسمع .. لا أستطيع أن أنظرَ إلى حبيبي، وفجأةً انفجرتُ بالبكاء محاولًا التّجلّد وما استطعتُ، ثم أشرتُ بإصبعي إلى أبى رضوان: هؤلاء هم شهداءُ الله في الأرض، وأشهدُ أنّك كُنْتَ كما قالوا، وإني لأرجو يا حبيبي أن تجَد هذه الشهادة أمامك وأن يرفعك الله في أعلى عليّين.
و هنا بكى من لم يكن بكى، ثم أطبقَ صمتٌ على المكان ثم حاولتُ التّجلد قائلا: ما لكم يا شباب، هذا هو ديننا، إننا أمّة لا تموت على الفراش، والشهادة أسمى أمانينا، وإنّا لنرجو من الله أن نلحق به مقبلين غير مدبرين كما كان. ثم قلت هيّا يا شباب انصرفوا واتركوا عدد قليلًا من الإخوة يدفنوه ولا يبقى في المكان إلا