فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 257

وبَسَطَ يده للأخ وقال: أنا معك، أبايعك على الموت، ولم يقم أبو ناصر، وفي المساء بَسَطَ يده مبايعًا على العمليّة الإستشهادية، مَكَثَا في بيت الإستشهاديين، يختمون القرآن كل ثلاث، ووقع عليهما الإختيار للتنفيذ مع اثنين آخرين وخرجوا بعد صلاة الفجر وتواعدوا على اللقاء في التّاسعة صباحًا في الجنة، وفعلًا ما أتت التّاسعة إلا وقد رُزِقُوا الشّهادة (نحسبهم كذلك ولا نزكّي على الله أحدًا) إلا أبو دجانة لم يُدْرِك هَدَفَه، فظلّ يبكي بكاءًا شديدًا لفواتِه إلى صلاةِ الظهر وقالَ لمن معه: إنْ كنتَ تحبّني فابحث لي عن هَدَفٍ لا أرجع اليوم، ثمّ وصلَ إليه خبر تنفيذ إخوانه فازداد حزنه وبكائه، وبقيَ إلى صلاة المغرب ثم عادَ إلى البيتِ يبكي فحاولَ إخوانَهُ تصبيرَهُ وتهدئتَهُ وهو يبكي، فحاولَ أخونا أبو معاذ وقال: أخشى أن يكون بكاؤك لفراق أخيك أبي ناصر وليس شوقًا للقاءِ الله فراجِعْ نيَّتك، فنظرَ إليه أبو دجانة وقال: لا أقول إلا شيئًا واحدًا"اللهم قضيتَ حوائجَ المحتاجين وحاجتي لم تُقْضَ"، وظلَّ ثلاثة أيّام يخرجُ فجرًا ويعودُ مساءًا لا يدرك هدفه حتى تغيَّرَ لَوْنَهُ واصْفَّرَ وجهه ولا يُجالس أحدًا، يخلو بنفسه يقرأُ القرآن ويذكرُ الله ويبكي، وفي صباح اليوم التّالي، تهيأ للخروجِ فنظرتُ إليه وقلتُ لأبي معاذ، وجهه ليس من وجوه أهل الدّنيا، ولمستُ وجهَهُ بيدي متأمّلًا فيه، وأذّنَ لصلاة الفجر أذانا تلذّ الآذان بسماعه ثمّ خَرَج، وبعد صلاة المغرب كان موعِدُهُ مع الشّهادة لِيَلْقَى ربّهُ بعد طول اشتياق وقد قتلَ أكثر من ثمانين مرتدًّا وأكثر من مائة جريْح.

أما أبو ناصر فكانَ يقولُ لإخوانه:

أيعجزُ اللهُ أن يجعلني في الفردوس الأعلى، ليس ذلكَ على الله بعزيْز، حُسْنُ الظنّ بالله لا بِعَمَلي، فاللهُ أكرمُ الأكرمين ولن ينقص من ملكه شيئًا، وإذا خرجتُ للتّنفيذ سأقولُ يا جوادُ يا كريمُ إلى أن ألقى الله، وقتلَ في ضربته أكثر من خمسيْنَ مُرتدًّا سوى الجرحى، فرحمهما الله وأسكنهما الفردوس الأعلى.

وكتبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت