وفي ترجمة شيخ الحنابلة في عصره أبي الوفاء بن عقيل عبرة أخرى؛ فقد كان يحدث عن نفسه: «إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة، وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي حتى أختار سفّ الكعك وتحسيه بالماء على الخبز لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ...» [1] .
وعبرة ثالثة في سيرة أبي الريحان البيروني: فقد كان يتقن خمس لغات ويؤلف في علوم الفلك والطب والرياضيات والأدب واللغة والتاريخ ما قدره (120) مؤلفًا.
وهذا غيض من فيض حياتهم رحمهم الله، وما كان لهم أن يعيشوا هذه الحياة بهذه الهمة العالية والحرص على الوقت لولا توكلهم على ربهم وضبطهم لنفوسهم وإحساسهم بقيمة الدقائق والساعات.
إن الإحساس بقمة الزمن وأهميته هو بداية تحريك النفوس وبعث الهمم؛ لاستدراك الفائت واغتنام الحاضر والاستعداد للمستقبل [2] وبفضل هذا الإحساس الفاعل نشأت حضارات وتكونت دول وصفت نفوس وبلغ القمة رجال؛ وهذا ما نبحث عنه ويبحث معنا كل طالب للسمو.
يقولون: «لو استغلّ الإنسان جميع طاقاته لدان له العالم بأسره» . والتاريخ يشهد على هذه المقولة بأبطاله العظماء.
ولكن متى يستغل الإنسان جميع طاقاته؟
يكون ذلك: إذا حدد أهدافه ووثق بربه وتوكل عليه وألقى عزمه بين يديه وجعل العوارض دبر أذنيه وألزم نفسه قانونها الصارم.
وردد قول الرافعي: «أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة» [3] .
وهيهات حينها للقوى أن ترد عزمته وتطفيء وقدة همته.
تحديد الهدف
(1) قيمة الزمن عند العلماء ص: 38.
(2) انظر حتى لا تكون كلا ص: 17.
(3) وحي القلم ج2 ص: 148.