فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 40

ويمثل الإمام ابن القيم لهذه المهمة المتسامية بمثال لطيف يشرح ما قلناه: «مثل القلب مثل الطائر كلما علا بعد عن الآفات وكلما نزل احتوشته الآفات» [1] وما سقط كثير من شباب الإسلام في أوحال الشهوات وملذات الدنيا إلا عندما ماتت هممهم؛ فأصبحوا كسائمة الأنعام تلتقط ما تشتهي وإن كان فيه حتفها ... وقد ناداهم لو كانوا يسمعون، ولا يسمع الموتى النداء الإمام عبد القادر فقال: «... لا يكن همك ما تأكل وما تشرب وما تلبس وما تنكح وما تسكن، كل هذا همُّ النفس والطبع، فأين همُّ القلب؟ همك ما أهمك؛ فليكن همك ربك وما عنده» [2] .

السبق إلى الله بالهمم

«همتك احفظها؛ فإن الهمة مقدمة الأشياء؛ فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراء ذلك من الأعمال» .

وبهذه الهمة العالية يقطع الكيس من المسافة أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك، والتقدم والسبق إلى الله إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل [3] ، بل إن صاحب الهمة العالية الباحث عن رضا ربه تنوب نيته عن كلال بدنه في تحقيق مراده؛ يقول الإمام ابن الجوزي: «ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها؛ فهم يبالغون في كل علم ويجتهدون في كل عمل يثابرون على كل فضيلة فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون» [4] ؛ فيا طلاب السمو، الهمة الهمة في هذا الطريق الطويل الصعب؛ حتى يكون من بعد ذلك الراحة الكاملة؛ يقول ابن الجوزي: «لقد تأملتُ نيل الدر من البحر فرأيته بعد معاناة الشدائد» [5] .

المطلب الخامس

التقوى

(1) الفوائد ص: 70.

(2) الفتح الرحماني ص: 8.

(3) انظر الفوائد ص: 140.

(4) صيد الخاطر: ص: 245.

(5) صيد الخاطر: 245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت